هذا المقال نُشر في مجلة الآداب

خالد بركات

 

عقدتْ مجلّة الآداب، وحملةُ مقاطعة داعمي “اسرائيل” في لبنان، وشبكةُ صامدون، ندوةً رقميّةً بتاريخ 15/11/2020، بعنوان: “مؤتمر المسار الفلسطينيّ البديل – الأبعادُ الفلسطينيّة والعربيّة والأمميّة.” شارك في الندوة: سماح إدريس وخالد بركات، وأدارتْها: رانية المصري. هنا كلمةُ بركات. لقراءة كلمة إدريس، أنقرْ هنا.

***

خالد بركات: خطوة إلى الوراء من أجل التقدّم نحو المسار البديل

في البداية أشكر الرفيقات والرفاق وكلَّ الزملاء المنظِّمين على هذه الدعوة الكريمة، وعلى تنظيم هذه الندوة. ويهمُّنا التذكيرُ باللقاء الجماهيريّ-الإعلاميّ الأوّل للجنة التحضيريّة لمؤتمر “المسار الفلسطينيّ البديل” يوم الأحد 29 نوفمبر الجاري بمناسبة “يوم التضامن العالميّ مع الشعب الفلسطينيّ،” وعنوانُه: “البحث في الأولويّات الوطنيّة الفلسطينيّة ومواجهة شروط المرحلة.” الندوة ستبحث في القضايا المباشرة المتّصلة بالمؤتمر وبطبيعة المرحلة التي نعيشها اليوم، ونستمع فيها إلى رأي الحضور.

اليوم، أركّز في مداخلتي على المواقف والظروف المحيطة التي انعقد فيها مؤتمرُ مدريد التصفويّ عام 1991. لكنْ، قبل الدخول في صلب الموضوع، ثمّة حقائقُ بسيطةٌ وبديهيّةٌ لكنْ من المهم أن نعرضَها، وهي:

الحقيقة الأولى هي أنّنا اليومَ أمام جيلٍ فلسطينيٍّ جديد، وُلد وكبر بعد العام 1991.

الحقيقة الثانية أنّ شعبَنا تضاعف خلال السنوات الثلاثين الأخيرة. ففي العام الذي عُقد فيه مؤتمرُ مدريد سنة 91، كان تعدادُ الشعب الفلسطينيّ أقلَّ من 6 مليون؛ أمّا اليوم فقد تجاوز 13 مليونًا. وهذا يعني أنّ أكثرََ من نصفِ شعبنا وُلد بعد انطلاق مسار مدريد-أوسلو. والأهمّ أنّ أكثرَه من فئة الشباب.

من حقّ الناس أن تسألَ اليوم: أين وصل بنا هذا المسارُ كعربٍ وفلسطينيّين؟ كيف نَعْبر من تلك المرحلة، التي طالت، إلى مرحلةٍ نضاليّةٍ جديدة؟ وهل هذا ممكنٌ أصلًا؟ وكيف؟

على الرغم من أنّ عيونَنا شاخصة نحو المستقبل إذ نتحدّث عن “مؤتمر المسار الفلسطينيّ البديل” في العام القادم، فإنّ من شروط التقدّم خطوةً أو خطوتيْن إلى الأمام العودةَ خطوةً إلى الوراء. العودةُ خطوةً الى الوراء ضرورةٌ ملحّةٌ لكلّ الشعوب، ولحركات التحرّر الوطنيّة بشكلٍ خاصّ، عند تقويم مساراتٍ سياسيّةٍ جرى تجريبُها ففشلتْ أو نجحتْ.

من المهمّ التذكيرُ في هذا الاطار بأنّ كلَّ الدعوات التي طالبتْ قيادةَ منظّمة التحرير الفلسطينيّة بإجراء مثل هذا التقويم رُميتْ في سلّة المهملات. كلّها، إلى يومنا هذا! والحقّ أنّه لا بدّ من الانطلاق من نقطةٍ مركزيّةٍ معيّنة لتكون مرجعيّةً لنا في تقويم حالتنا الفلسطينيّة الراهنة على الأقلّ. ونحن نعتبر أنّ مؤتمر مدريد التصفويّ عام 1991 هو هذه النقطة.

البعض قد يقول: ولماذا لا نذهب إلى أبعدَ من مدريد، وتحديدًا إلى 15/11/1988، يوم “إعلان الدولة الفلسطينيّة” أو “إعلان الاستقلال” في الجزائر (من يسمع يصدّق أنّنا نلنا استقلالَنا!)؟ والبعض قد يقول: بل فلنذهبْ إلى العام 1974، لحظةَ تبنّي “برنامج النقاط العشر والحلّ المرحليّ” لأنّ المشكلة بدأتْ هناك. القولان صحيحان في رأينا، ولكنّنا اخترنا أن نعود إلى مدريد 1991 للأسباب الآتية:

أوّلًا: لأنّ ذلك المؤتمر جاء محصّلةً طبيعيّةً لمتغيّراتٍ عصفتْ بموازين القوى على الصعيد العالميّ، وأدّت إلى انهيار الاتحاد السوفياتيّ والمعسكرِ الاشتراكيّ، وإلى تفرّدِ الولايات المتحدة بالقرار على المستوى الدوليّ، حتّى كتب البعضُ عن “نهاية التاريخ” وانتصار الرأسماليّة إلى الأبد. وقد أصيب الجسدُ العربيُّ بندوبٍ عميقةٍ جرّاءَ هذه المتغيِّرات، وجرّاءَ تداعيات حرب الخليج سنة 1990 وحصارِ العراق ثمّ تدميره بشكلٍ خاصّ. ولنتذكّرْ أنّ الولايات المتحدة كانت قد حشدتْ قبل المؤتمر ما يقاربُ نصفَ مليون جنديّ في المنطقة، وأسّستْ تحالفًا لضرب العراق بمشاركةٍ رسميّةٍ عربيّة. وفي عمليّةٍ إجراميّةٍ كبرى أَطلق عليها العدوُّ الأمريكيّ عمليّةَ “عاصفة الصحراء” (Desert Storm)، لم يترك البنتاغون سلاحًا في جعبته إلّا وجرّبه على أجساد العراقيّين ورؤوسِهم، بما في ذلك قنابلُ النبالم والأسلحةُ المحرَّمة دوليًّا.

ثانيًا: لأنّ ذلك المؤتمر يضع كلَّ النظام العربيّ الرسميّ أمام المحاكمة، وليس فقط الجانبَ الفلسطينيّ الرسميّ الذي حضر إلى المؤتمر تحت عباءة النظام الأردنيّ. ففي هذا المؤتمر بالتحديد، كُسرتْ لاءاتُ الخرطوم الثلاثة (“لا صلح لا تفاوض لا اعتراف”) علنًا وبشكلٍ جماعيّ. نعم، هذا الكسْر حدث علنًا وبشكلٍ جماعيٍّ في مدريد 1991، لا قبل شهرٍ فقط مع اتفاقيّات الإمارات والبحرين والسودان مع الكيان الصهيونيّ.

ثالثًا: لأنّ العودة إلى مدريد 91 تساعدنا على فهم العلاقة بين الوطنيّ والقوميّ والدوليّ، وكيف تؤثِّر كلُّ حلقةٍ من هذه الحلقات في الأخرى؛ كما تساعدنا على الإجابة عن سؤاليْن: “كيف وصلنا إلى هنا؟” و”كيف نتجاوز المرحلة؟”

رابعًا: لأنّ أحدَ أهمّ أهداف مؤتمر مدريد 91 كان إجهاضَ الانتفاضة الشعبيّة الكبرى في الأرض المحتلّة. في كلّ وقت وكلّ زمن، سيكون هدفُ أيّ مشروع أمريكيّ-صهيونيّ، على شاكلة مدريد (واوسلو)، هو رأسَ المقاومة أو الانتفاضة أو الثورة وسلاحَها.

المواقف الفلسطينيّة من مؤتمر مدريد 91

أ – موقف قيادة منظّمة التحرير. عضوُ اللجنة التنفيذيّة في منظّمة التحرير الفلسطينيّة، ومسؤولُ دائرة العلاقات العربيّة والدوليّة في المنظّمة في ذلك الوقت، كان محمود عبّاس (أبو مازن)، رئيس السلطة الفلسطينيّة اليوم. وقتَها، كتب في مجلّة الدراسات الفلسطينيّة (خريف العام 1991) مقالًا يَظهر من عنوانه حماسُه للمؤتمر: “مؤتمر مدريد وضع الأمورَ في نصابها.”[1] ويمكن اعتبارُ ما ورد في ذلك المقال هو رؤية حركة فتح نفسها، أو رؤية التيّار المنظِّر للتسوية ذاتِ “الرعاية الأمريكيّة.” فماذا قال، وهو المعروفُ بأنّه من أشدّ المتحمِّسين للتسوية والمفاوضات منذ العام 1973 على أقلّ تقدير؟

قال إنّ الإطار الذي عُقد فيه المؤتمر، وجَمع العربَ و”إسرائيل” وجهًا لوجه للمرّة الأولى في تاريخ النزاع العربيّ-الإسرائيليّ، أهمُّ من الأسباب؛ وهذا ما يعطي المؤتمرَ – في رأيه – زخمًا ومصداقيّةً قد يؤدّيان إلى نتائج إيجابيّةِ تعكس نفسَها على المنطقة. وقال إنّ “إسرائيل” ستستغلُّ أيَّ عقباتٍ من أجل الانسحاب من المفاوضات (كان يعتقد أنّها خائفةٌ منها!). وأورد مبرِّراتٍ لمشاركة الفلسطينيّين في هذا المؤتمر، وذلك من منطلق وجوب التعامل مع الأوضاع والوقائع المتاحة. واستنتجَ أنّ الولايات المتحدة تتحدّث بجدّيّةٍ تامّةٍ عن حلٍّ عادلٍ ودائمٍ في الشرق الأوسط، وأنّها ترى ضرورةَ تطبيق القراريْن 242 و338 ومبدأ “الأرض مقابل السلام.”

ما قاله عبّاس في مقاله قاله جورج بوش الأب في خطابه في المؤتمر. وقبل مؤتمر مدريد بسنتين، كنّا قد بدأنا نسمع تصريحاتٍ من نوع “وجوب نبذ الإرهاب،” وأنّ الميثاق الوطنيّ أصبح “متقادمًا” وخارجَ الزمن (caduc). وبرزتْ إشاراتٌ أخرى إلى استعداد القيادة المتنفّذة في منظّمة التحرير لتغيير الميثاق الوطنيّ نفسه، ولنسفِ كلِّ ما تأسّست المنظّمةُ من أجله.

ب – موقف الجبهة الشعبيّة: رفضت الجبهةُ الشعبيّة (وقوًى عديدة) مؤتمرَ مدريد 91. وحين سُئل د. جورج حبش، بعد عامٍ تقريبًا على انعقاد مؤتمر مدريد، عن تقويمه لمسيرة التسوية، أجاب: “ما جرى في مدريد لا يمكن أن أُطلقَ عليه ’مسيرةَ تسوية‘ وإنّما هو من حيث الشكلُ والمضمون مسيرةُ تصفيةٍ حقيقيّةٍ للقضية الفلسطينيّة.”[2] واعتبر أنّ هذا المسار سوف يؤدّي إلى نتائجَ كارثيّةٍ على الشعب الفلسطينيّ والمنطقة، وسوف يجعل من الكيان الصهيونيّ قوّةً إقليميّةً مهيمنة.

هذا التناقضُ الصارخ بين موقف قيادة المنظّمة وموقفِ الجبهة الشعبيّة (والقوى الرافضة لمؤتمر مدريد) انعكس على مسار الانتفاضة الشعبيّة التي كانت لا تزال مشتعلةً في الوطن. فقد رأت قيادةُ المنظّمة لزومَ استثمار الانتفاضة بسرعة و”ركوب القطار” قبل فوات الأوان.

لذا عندما نتحدّث عن مشروع التصفية اليوم، فإنّ من السذاجة أن ننطلقَ من “صفقة القرن” مثلًا؛ ذلك لأنّ مسيرةَ التصفية بدأتْ من مدريد، كما يقول حبش في المقابلة ذاتها، مضيفًا: “إنّ اللحظة الراهنة، على ضوء مؤتمر مدريد، باتت تستدعي، أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى، البحثَ في مسألة البديل الثوريّ الفلسطينيّ، لأنّ كلَّ حقوق شعبنا ونضالاتِه ستكون في مهبّ الريح في حال نجاح مشروع الحكم الذاتيّ.”[3]

ج – موقف حركتيْ حماس والجهاد الإسلاميّ وغيرهما من قوًى وفصائل: هذه كانت أيضًا ضدّ المشاركة في مؤتمر مدريد التصفويّ. وبعد سنتيْن، عندما أُعلن عن توقيع اتفاقيّات أوسلو، تَشكّل ما عُرف بـ” تحالف الفصائل العشرة” في دمشق بهدفٍ واضحٍ ومعلن: إسقاط نتائج مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو.

د – مواقف المثقّفين الفلسطينيّين والعرب: سادت نغمةٌ في تلك الفترة بين بعض المثقّفين الفلسطينيّين والعرب أنّ أهمّيّةَ “إسرائيل” الإستراتيجيّةَ بالنسبة إلى أمريكا لم تعد كما كانت. آنذاك، رَوّج هؤلاء لمدريد وأوسلو. بعضُهم بدّل مواقفَه بعد ذلك. ممتاز؛ فـ”أن تأتي متأخّرًا أفضلُ من أن لا تأتي مطلقًا” كما يقول المثلُ الإنكليزيّ. لكنْ علينا نحن ألا ننسى مواقفَهم الأولى.

وقتها، أيْ قبل أن يبدّلوا مواقفَهم، برّروا التسويةَ بالقول إنّ القوات الأمريكيّة تحتلّ الخليجَ كلَّه، وإنّ “إسرائيل” باتت عبئًا على أمريكا إلى درجة أنْ طلبت الأخيرةُ منها عدمَ التدخّل حتى بعد قصف الجيش العراقيّ لمدن العدوّ ومستعمراتِه. والحقيقة أنّ أهمّيّة “إسرائيل” بالنسبة إلى أميركا تضاعفتْ لا العكس، على ما أثبتتْه التطوّراتُ اللاحقة.

اللافت أنّ أغلبَ مَن نظّروا للتسوية مع العدوّ كانوا أكثر، بل أوّلَ، مَن انتقدوها! خالد الحسن، وهو من أبرز قيادات حركة فتح، وإدوارد سعيد، على سبيل المثال لا الحصر، وآخرون كانوا مقرَّبين من القيادة المتنفّذة في منظّمة التحرير، انقلبوا على رؤية هذه القيادة حين رأوا انجرافَها في الاستسلام بلا قيدٍ أو شرط.

خلاصة

كلُّ ما قدّمه تيّارُ التسوية من تنازلاتٍ ومبرِّراتٍ للمشاركة في مدريد واوسلو، وكلُّ ما قدّمه منظّرو التسوية والتصفية وقتها من مواقفَ واستنتاجات، كانت ولا تزال فاشلةً وعقيمةً، بل كارثيّةً أيضًا، ويجب أن يحاسَبوا عليها. ويتبدّى ذلك بصورةٍ جليّةٍ حين نقارن بين وضع “إسرائيل” سابقًا ووضعِها اليوم.

ففي حين كان الكيانُ يعيش حالةَ ركودٍ اقتصاديّ ويشْهد موجاتِ هجرةٍ معاكسةٍ من فلسطين؛ وفي حين كانت الانتفاضةُ الشعبيّةُ الكبرى مستمرّةً وتشكّل قلقًا كبيرًا وتحقّق إنجازاتٍ مهمّةً وتربك الأوضاعَ الداخليّةَ في الكيان، ولا سيّما بفضل العمليّات الاستشهاديّة والفدائيّة النوعيّة التي نفّذتْها حركتا حماس والجهاد الإسلاميّ؛ فإننا اليوم نجد الكيانَ في أعلى درجات قوّته. فلـ”إسرائيل” اليوم قواعدُ عسكريّةٌ في أفريقيا وفي جزُرٍ على طول البحر الأحمر، وغوّاصاتُها النوويّة تجوب البحرَ الأبيض المتوسّط والبحرَ الأحمر، وهي مطمئنّةٌ إلى حدودها مع الأردن ومصر، وإلى حدٍّ ما مع سوريا (وإنْ لم تكن كذلك مع لبنان).

إنّ البديلَ الحقيقيَّ والممكن هو تبنّي سياساتٍ ثوريّةٍ نقيضة، يكون أساسُها الاعتمادَ على الذات، أيْ على البعد الشعبيّ الفلسطينيّ، وعلى البعد الشعبيّ العربيّ والأمميّ، لا الاعتمادَ على النظام العربيّ الرسميّ أو على ما يسمّى “المجتمع الدوليّ.”

المطلوب باختصار: الاعترافُ بفشل مسار مدريد-أوسلو، والبحثُ عن مسارٍ ثوريٍّ وبديل وجديد، يقوده الجيلُ الشابُّ وطلائعُ الشعب الفلسطينيّ في كلّ مكان. ويمكن في رأينا صناعةُ هذا البديل من خلال مشاركة شعبنا وتجميعِ عناصر القوّة الفلسطينيّة وصهْرِها في إطار مشروع التحرير والعودة.

مونريال


[2] مقابلة مع د. جورج حبش في شهر 12، 1992، وقد نُشرتْ عن منشورات مجلة الهدف سنة 1993 بعنوان: استحقاق الراهن والأفق القادم، ص 22.

[3]المصدر نفسه، ص 28.

Share
Tweet
WhatsApp
Telegram
Vibe
Share
Email
Print