هذا المقال نُشر في مجلة الآداب

نضال العزّة

” يأتي هذا المقالُ الموجزُ ضمن أعمالِ التَّحضيرِ لـ”مؤتمرِ المسارِ البديل،” الذي سيُعقدُ في مدريد في تشرين الأوّل (أكتوبر) 2021. والمقال يهدف إلى إثارة نقاشٍ جدّيّ ومنتِجٍ حولَ آثار مسار مدريد-أوسلو في الوعي الوطنيّ وثقافةِ المقاومة. فمن أجل استنهاض الحالة الثوريّة في معركة التحرّر، ستكون إحدى مهمّات هذا المؤتمر تأسيسَ استراتيجيّةٍ قادرةٍ على مواجهة ثقافة أوسلو الاستسلاميّة، واستعادةَ الوعي والانتماءِ الوطنيّيْن”.

أثناء تدريسي مساقَ “القانون الدوليّ للاجئين: حقوقُ اللاجئين الفلسطينيّين” في جامعة القدس-أبو ديس سنة 2013، وبعد أن لاحظتُ عدمَ وضوح تاريخ نشأة “إسرائيل” في مداخلاتِ الطلبة، سألتُ: “متى نشأتْ ’إسرائيل‘؟ علّلْ/ـي إجابتَك؟” آنذاك، أجابني طالبٌ، وكان عضوًا في مجلس الطلبة، أنّ “إسرائيل” نشأتْ في العام 1967. وعلّل إجابتَه بالقول: “لأنّ المشروعَ الوطنيّ الفلسطينيّ، بحسب سيادة الرئيسِ الرمز، هو إقامةُ الدولة الفلسطينيّة المستقلّة على حدود الرابع من حزيران لعام 1967.”

هذه الفجوة ليست مجرّدَ تقصيرٍ شخصيّ، أو نقصٍ في ثقافةِ هذا الطالب، وإنّما يَعكس أثرَ مسار مدريد-أوسلو في الوعي الوطنيّ والحقوقيّ والهويّةِ الوطنيّةِ للأجيال الفلسطينيّة الناشئة. فما دام المشروعُ الوطنيُّ الفلسطينيّ يُقدَّم إلى الفلسطينيّين، صبحًا ومساءً، على هذا النحو، فلا لومَ على شابٍّ فلسطينيّ وُلد في كنفِ خطابٍ سياسيٍّ مبتور. لكنْ يَلْزم الوقوفُ عند هذا التشوُّه الذي يُحْدثه مسارُ أوسلو بغيةَ معرفة كيفيّة استنهاضِ الحالة واستعادةِ فلسطين — في الوعي أوّلًا، ومن أجل تحريرِها ثانيًا.

آثارُ مسار مدريد-اوسلو التدميريّة في الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة عديدة، وتناولتْ معظمَها أبحاثٌ كثيرةٌ، سلّط جلُّها الضوءَ على النواحي السياسيّة والأمنيّة والتنظيميّة المباشرة، ومنها: تجاوُزُ هذا المسار لبرنامج منظّمة التحرير الفلسطينيّة وتفكيكُ مؤسّساتها التنظيميّة وتفريغُها من مضامينها، وإضفاءُ الشرعيّة على الوجود الاستعماريّ الصهيو-إسرائيليّ في فلسطين، وتمكينُ السُّلطة الفلسطينيّة ذاتِ الدورِ الوظيفيّ الأمنيّ على حساب منظّمة التحرير والفصائلِ الفلسطينيّة، وتفكيكُ التنظيمات، والحيلولةُ دون ممارسةِ المقاومة، وإلزامُ القوى والهيئاتِ الفلسطينيّة باتفاقيّاتٍ دوليّةٍ تنتقص من الحقوقِ الوطنيّةِ الفلسطينيّة، وتقليلُ فرص تعزيز البُنى الاجتماعيّة والاقتصاديّة الفلسطينيّة بالاعتماد على الذات.

يأتي هذا المقالُ الموجزُ ضمن أعمالِ التَّحضيرِ لـ”مؤتمرِ المسارِ البديل،” الذي سيُعقدُ في مدريد في تشرين الأوّل (أكتوبر) 2021.[1] والمقال يهدف إلى إثارة نقاشٍ جدّيّ ومنتِجٍ حولَ آثار مسار مدريد-أوسلو في الوعي الوطنيّ وثقافةِ المقاومة. فمن أجل استنهاض الحالة الثوريّة في معركة التحرّر، ستكون إحدى مهمّات هذا المؤتمر تأسيسَ استراتيجيّةٍ قادرةٍ على مواجهة ثقافة أوسلو الاستسلاميّة، واستعادةَ الوعي والانتماءِ الوطنيّيْن.

لذا، يحاول هذا المقال أن يلقي الضوءَ على أحد الآثار السلبيّة الجسيمة لمسار مدريد-أوسلو في الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، ألا وهو تدميرُ البيئة الحاضنة أو المنتِجة للفعل الوطنيّ التحرّريّ من خلال إحلال ثقافة أوسلو مكانَ ثقافة المقاومة وتجسيداتِ الهويّة الوطنيّة. فهذا التدمير لم يحصلْ بفعل العوامل الخارجيّة وحدها؛ ذلك أنّ نجاحَه الراهن هو نتاجُ انخراطٍ فلسطينيٍّ رسميٍّ أسهم (وما يزال) في هندسة تغييب إرادة الفعل الوطنيّ التحرّريّ عبر الوفاء بمتطلّبات مدريد-أوسلو. ويخْلص المقالُ إلى أنّ استنهاض الحالة الفلسطينيّة يقتضي تهيئةَ البيئة الحاضنة والمنتِجة للفعل التحرريّ، وهو ما لا يمكن تحقيقُه إلّا بإبطال مفاعيل مسار مدريد-أوسلو.

قيادةٌ عاجزةٌ تجترّ فشلَها، وانفضاضٌ جماهيريٌّ متزايد

بعيْد الإعلان عن الاتفاق الإماراتيّ-الإسرائيليّ، الذي لم يكن أشدّ خطرًا من سبْقِ إعلان خطّة ترامب (صفقة القرن) أو خطّةِ الضمّ الإسرائيليّة، تمكّنتْ قياداتُ معظم الفصائل الفلسطينيّة من الاجتماع والإعلانِ عن تأسيس “القيادة الوطنيّة الموحَّدة للمقاومة الشعبيّة.” وتلا إعلانَ التأسيس إصدارُ البيان الأوّل في 13/9/2020، وتضمَّن جملةً من الفعّاليّات الشعبيّة، على غرارِ ما كانت تتضمّنه بياناتُ “القيادة الوطنيّة الموحّدة” للانتفاضة الأولى (1987-1991). وتوجّه البيانُ إلى طائفةٍ واسعةٍ من المخاطَبين، مثل “شعبنا” و”جماهير أمّتنا” و”أهلنا ورَبْعنا” و”الجاليات الفلسطينيّة والعربيّة والإسلاميّة” و”المؤسّسات” و”القوى الحيّة” و”أحرار العالم.”

إلّا أنّ المشاركة الشعبيّة في الفعّاليّات التظاهريّة والاحتجاجيّة، خصوصًا في فلسطين، لم تزدْ عن مشاركاتٍ رمزيّةٍ باهتة، صُبّ فيها الكثيرُ من الجهد التنظيميّ والإعلاميّ، من دون أن تَحفظَ ماءَ وجه الدّاعين إليها. وليس في كلامنا هذا تقليلٌ من شأن وطنيّةِ شعبنا أو قدرتِه، وإنّما نسعى إلى مكاشفةٍ صريحةٍ تتجاوز تجنّبَ البعض الوقوفَ على أسباب هذا الانفضاض الجماهيريّ أو محاولةَ إخفائه.

هذه القيادات، وتلك، لا ترى في هذا الانفضاض الجماهيريّ نتيجةً لمسار مدريد-أوسلو، ولا تعبيرًا عن غياب البنى التنظيميّة، ولا محصّلةً لإحلالِ ثقافةِ أوسلو وقيمِها محلَّ ثقافة المقاومة وتجسيداتِ الهويّة الوطنيّة. ليس بإمكان قيادات هذا المسار أن ترى أنّ الانفضاضَ ناشئٌ عن إدراك جماهير شعبنا، صاحبةِ المصلحة في التحرّر من المستعمِر، أنّ قرارَ السلطة الفلسطينيّة وقفَ التّنسيق الأمنيّ مع العدوّ والامتناعَ عن استقبال أموال المقاصّة الضريبيّة ليس خطوةً تحرّريّةً، وإنّما هو استجداءُ المهزوم على عتبات المستعمِر. شعبُنا لم ينتفضْ لنقصٍ في همّته أو وطنيّتِه، بل لأنّه كان يوقن أنّ لحظةَ خذلانِه وإهانتِه بالعودة إلى مسار مدريد-أوسلو آتيةٌ لا ريْب فيها. لذلك اكتفى بالسخرية من وزير الشوؤن المدنيّة (وزيرِ التنسيق في السلطة) عندما صوّر، في 17/11/2020، عودةَ مسار العلاقة مع العدوّ بأنّه “انتصارٌ عظيمٌ للشعب الفلسطينيّ” المحظوظِ بـ “قيادتِه الحكيمةِ والشجاعةِ”![2]

تُعلّمنا تجاربُ الشعوب المضطهَدة ومسيراتُها التحرريّةُ أنّ توافرَ البيئة الحاضنة والمنتِجة للفعل التحرّريّ ركنٌ أساسٌ لتحقيق الانتصار. وتُعلّمنا أيضًا أنّ هذه البيئة لا تتوافر إلّا بفضل عامليْن متكامليْن، هما:

– انتشارُ ثقافة المقاومة، ورسوخُها ثقافةً عامّةً سائدةً.

– فاعليّةُ البنى والأدواتِ التنظيميّة.

والمقصود بـ”ثقافة المقاومة” هنا هو الوعيُ الوطنيّ، وإدراكُ أصحاب الحقوق لحقوقهم وأنّ في تحقيقها مصلحتَهم/تحرُّرَهم، والإيمانُ بالقضيّة وجدوى النّضال، والاستعدادُ للتضحية، وما يتّصل بذلك من قيمٍ ومسلكيّةٍ اجتماعيّة. والمقصود بـ”فاعليّة البنى التنظيميّة” هو قدرةُ الحزب/الفصيل على التواصل والتفاعل مع البيئة الاجتماعيّة المحيطة (الجماهير) وتعبئتها لتصبح حاضنتَه الآمنةَ ومصدرَ قوّته. ولأنّ الاستعمارَ الصهيونيّ أدرك ذلك، وتعلّم من فشلِ حملاته القمعيّة وحروبه أنّ أحدَ أهمّ أسباب فشله في إخضاع الشعب الفلسطينيّ هو وجودُ تلك البيئة، فقد عمل على تضمين اتفاقيّات أوسلو آليّاتٍ لتدمير تلك البيئة… بأيدٍ فلسطينيّة.

اتفاقيّات أوسلو صُمّمتْ لتدمير هذه البيئة، ولإنتاج الهزيمة ومأسستِها. لقد كان هذا هدفًا واضحًا منذ البداية. فرسائلُ الاعتراف المتبادل سنة 1993 لم تكن مجرّدَ شرعنةٍ رسميّةٍ فلسطينيّةٍ للوجود الاستعماريّ الصهيونيّ، بل تضمّنتْ كذلك التزاماتِ منظّمة التحرير الفلسطينيّة بـ”حقّ إسرائيل في العيش في سلامٍ وأمن… وحلّ قضايا الصراع الأساسيّة حلًّا سلميًّا بالمفاوضات … ونبذ ومحاربة العنف والإرهاب… وضبط الانتهاكات والمنتهِكين… واعتبار موادّ الميثاق الوطنيّ المتعارضة مع هذه الالتزامات غيرَ ساريةٍ إلى حين تغييرها رسميًّا”[3] (وهو ما تمّ في جلسةٍ عُقدتْ في غزّة في نيسان 1996).[4] هذه الالتزامات لم تكن مجرّدَ ديباجةٍ أو مناورةٍ للوصول إلى طاولة التفاوض، كما كان الحال في إعلان ياسر عرفات في جنيف قبيْل انعقاد مؤتمر مدريد سنة 1991، بل شكّلت الأساسَ لإرساء ثقافة أوسلو التدميريّة للوعي الوطنيّ وللبيئة الحاضنةِ والمنتِجةِ لأيّ فعلٍ تحرّريّ.

وللسبب نفسه حرصتْ “إسرائيل” على تضمينِ “الاتفاق الانتقاليّ” بشأن الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة للعام 1995 (أوسلو 2) نصًّا في البند 11 يُلْزم سلطةَ أوسلو ترويجَ السَّلام والتَّسامح، والامتناعَ عن التّحريض.[5] وتعزيزًا لهندسة التدمير هذه، جاءت مذكّرةُ وايْ ريفير للعام 1998 بنصوصٍ تفصيليّةٍ وصريحةٍ بشأن محاربة “الإرهاب والإرهابيّين” (المقاومة والمقاومين)، وتُلْزم السُّلطةَ “الإعلانَ” عن ذلك وإصدارَ “تعليماتٍ مشابهةٍ لتلك الواردة في التشريع الإسرائيليّ” حول مفهوم التحريض. وقد تقرّر في تلك المذكّرة تشكيلُ لجنة أميركيّة-إسرائيليّة- فلسطينيّة تتولّى، من ضمن أشياءَ أخرى، منعَ التّحريض، وتعيينَ “خبراء إعلاميّين وتربويّين وقانونيّين” لإنفاذ المهمّاتِ المنصوصِ عليها.[6] وهذه المهمّات جرى تأكيدُها وتوسيعُ نطاقها في اتّفاقِ ومذكّرة شرم الشيخ في العام 1999.[7]

جميعُ هذه البنود جاءت تحت أبواب “الأمن،” وفيها تفصَّلُ التزاماتُ سلطة أوسلو بضمان أمن “إسرائيل.” وبالتدقيق يظهر أنّه جرى التعاملُ مع الهويّة الوطنيّة والحقوقِ الوطنيّة باعتبارها خطرًا أمنيًّا استراتيجيًّا على “الأطراف المعنيّة.” ولذلك كان هذا الجزءُ ركنًا رئيسًا في “التنسيق الأمنيّ.” فهذا التنسيق ليس مجرّدَ تبادل معلومات عن مجموعاتٍ “إرهابيّةٍ” وأسلحةٍ ومتفجّرات، بل يشمل (بحسب أوسلو) “كلَّ الإجراءات اللازمة لاجتثاث الإرهاب ومنابعِه”؛ أيْ يشمل تصفيةَ فكر المقاومة وأعمالِها.

ولرؤية كيف أسهم، وما زال يسهم، مسارُ مدريد-أوسلو في تدمير هذا البيئة الحاضنة والمنتِجة للفعل التحرّريّ، يمكن إبرازُ ركيزتيْن أساسيّتيْن توضحان منهجيّةَ هندسة التدمير هذه:

أ – من إدانة العنف والإرهاب إلى تجريم المقاومة. كان أحدُ شروط القبول الإسرائيليّ-الأميركيّ بإدخال القيادة المتنفّذة في منظّمة التحرير مسارَ التسوية هو أن تدينَ العنفَ والإرهابَ مقدَّمًا. وهذا القبول أصبح، ضمن مسار أوسلو، انسياقًا راح يتسارع في الانحدار يومًا بعد يوم. فبينما كان يجري تفكيكُ البنى التنظيميّة الفلسطينيّة القادرةِ على التأثير في ميزان القوى، وتقليلُ فرص الاشتباك مع المستعمِر الصهيونيّ عبر تواري قواتِ المستعمِر خلفَ مربّعاتٍ وإجراءاتٍ أمنيّةٍ فلسطينيّةٍ عازلة، كان يجري تجميلُ الاستسلام بصيغ “السّلام” و”التّسامح.” هذا من جهة. ومن جهةٍ ثانية، جرى توسيعُ نطاق مفهوميْ “العنف والإرهاب” حتى باتا – تدريجيًّا – لا يقتصران على الكفاح المسلّح (المشروعِ دوليًّا للشّعوب المستعمَرة) فحسب، بل طاولا أيضًا أيَّ عملٍ لا يروق للمستعمِرِ الصّهيونيّ — بدءًا بالمظاهر الشعبيّة، مرورًا بالمسيرة الاحتجاجيّة، وانتهاءً بمجرد الدّعوة إلى مقاطعة “إسرائيل” وسحبِ الاستثماراتِ منها وفرضِ العقوبات عليها.

لقد شكّلتْ عمليّةُ الهندسة هذه أساسًا للتعبئة والسلوك، بمشاركةٍ فلسطينيّةٍ رسميّةٍ منقطعةِ النظير. وهي هدفتْ، من ضمن أشياءَ أخرى، إلى إحكام السيطرة الاستعماريّة، وإنتاجِ حالةِ الانفضاض الجماهيريّ، وإعدامِ فرصِ نشوءِ مقاومةٍ حقيقيّة. فسلطةُ أوسلو، في أدائها وظيفتَها الأمنيّة، لم تنخرطْ في واجبات “التنسيق الأمنيّ” فحسب (بمعنى تبادل المعلومات الأمنيّة)، بل ذهبتْ أيضًا إلى حدّ قمع الفعّاليّات الشعبيّة، متجاوزةً الحدودَ المرسومةَ، وروّجتْ كذلك لـ”ثقافة” التّنازل عن الحقوق والخضوع باسم “السّلام” و”التّسامح.”

في ممارسة السلطة للقمع، جعل مسارُ أوسلو كثيرًا من المظاهرات والمسيرات التي لا توجِّهها وتضبطُها السلطةُ وأجهزتُها الأمنيّة “تهديدًا للسِّلْم الأهليّ والاستقرار،” و”مغامراتٍ غيرَ محسوبة،” و”ولدناتٍ تتعارض مع المصلحة الوطنيّة العليا،” وأنشطةً ذاتَ “أجنداتٍ مشبوهةٍ أو غير وطنيّة.” وفي المقابل، أنتج هذا المسارُ نمطَ تحشيد الناس للمبايعات وإحياءِ احتفالات الانطلاقات والتّظاهرات الخطابيّة، ومسيرات التّضامن السّلميّة والاحتجاجيّة (التي صارت تتطلّب مشاركةً أجنبيّة). ومن الطبيعيّ أن تفْترَ همّةُ النّاس عندما يواجَهون بقمعٍ من سلطةٍ فلسطينيّةِ التكوين، وربّما يجدون أنْ لا جدوى من المشاركة ما دام الاشتباكُ مع المستعمِر غيرَ متاحٍ، أو أنّ المشاركة قد تؤدّي إلى مواجهةٍ مع السلطة الفلسطينيّة أو تخدم برنامجَها التفاوضيّ غير التحرّريّ.

إنّ تقليلَ فرص الاشتباك المباشر مع المستعمِر الصهيونيّ من جهة، وتكرارَ قمع أجهزة السلطة للناس من جهةٍ ثانية، و”تبهيتَ” النضال في نمط المهرجانات من جهةٍ ثالثة، تؤدّي عمليًّا إلى وهنٍ في العزيمة، وإضعافِ الإيمان بجدوى النّضال، وإشاعةِ الإحباط، وتهيئةِ النّاس – خصوصًا الأجيال الناشئة – للانفضاض عن الثورة وأدواتِها وتأبيدِ حالةِ الانكسار.

ب – من تغييب الوعي الوطنيّ إلى فرض الرِّواية الصهيونيّة. تغييبُ الوعي الوطنيّ ضمِنتْه “إسرائيل”، إذًا، بإلزام سلطة أوسلو نبذَ كلِّ ما يتعارض مع ثقافة السّلام والتسامح. غير أنّ هذا الشَّرط، مثله مثل شرط نبذ العنف والارهاب، راح يتوسّع في نطاقه بشكلٍ متسارع. فتعميمُ ثقافة السلام والتسامح، بحسب مسار مدريد-أوسلو، صار يتطلّب تجاوزَ/تشويهَ الحقائق التاريخيّة بشأن فلسطين والصّراع، وتقزيمَ الحقوق، ونبذَ التسييس. فبموجب الاتفاقيّات والارتهان للمساعدات الدوليّة، والاستجابة الفلسطينيّة الرسميّة، صار لـ”إسرائيل” حقُّ التدخّل في ما يتضمّنه المنهاجُ الفلسطينيّ التَّربويّ: فصغرتْ فلسطينُ وعاصمتُها، وأُسقِطتْ هويّةُ المدن في فلسطين المستعمَرة منذ العام 1948، وغُيِّب تاريخُ الميليشيات الصهيونيّة وفظائعُها، وصارت كلمة “شهيد” أو “انتفاضة” تحريضًا وعملًا عدائيًّا. وفي الخطاب الرسميّ، صارت الحقوقُ الوطنيّة توضع في صياغاتٍ ركيكةٍ مضلِّلة من قبيل “حقّ الفلسطينيّين في تقرير مصيرهم في دولة مستقلّة على حدود الرابع من حزيران،” بدلًا من حقّ الشعب الفلسطينيّ في تقرير مصيره أينما كان في وطنه فلسطين بحدودها الانتدابيّة. كما يتمّ إحلالُ عبارة “حقّ العودة إلى الدولة الفلسطينيّة”، أو “العودة على أساس حلٍّ عادلٍ متَّفقٍ عليه،” محلّ “وجوب تنفيذ القرار 194.”

ولم يكن إدخالُ مصطلحاتٍ وتغييبُ أخرى يجريان عفويًّا. فتغييبُ مصطلحات “الكيان الصهيونيّ” و”الصهيونيّة” و”العدوّ” و”الاستعمار” مثلًا، وإدراجُ مصطلحات “إسرائيل” و”الطّرف الآخر” و”الاحتلال” و”الاستيطان،” لا يختلفان في أثرهما في الوعي والهويّة عن إشاعة (وتسويغ) مصطلحاتٍ إسرائيليّة أو تجزيئيّة أو تعزِّز الهويّات الفرعيّة مثل “عرب إسرائيل” أو “مواطني إسرائيل العرب” و”المقدسيّين” و”الغزّيين.” ويصبح الأثرُ التّدميريّ أعمقَ في الهويّة الوطنيّة والحقوق عندما تُعمَّم مصطلحاتٌ مثل “المغتربين” و”الجاليات الفلسطينيّة” بدلًا من “اللاجئين” و”المهجَّرين،” ويجري تبنّيها رسميًّا، وتشكيلُ هيئات تحمل مسمَّياتٍ كهذه.

لم يُنتج مسارُ مدريد-أوسلو تراجعًا جسيمًا في مستوى اشتباك القوى والفصائل مع المستعمِر وحسب، بل في مستوى خطاب التعبئة الوطنيّة ونوعِها أيضًا. فضمن هذا المسار هُندِس تغييبُ الخطاب الوطنيّ، الذي لم يعد مؤسَّسًا على الحقوق والحقائق التاريخية والرواية الفلسطينيّة. وفي المقابل، يهندَس تغييبُ صورة الصهيونيّ-الإسرائيليّ المستعمِر الذي يستولي على الحقوق ويمارس الجرائمَ؛ بينما تُبرَز صورةُ الإسرائيلي الإنسان، صاحب الحقّ، الحضاريّ، الأخلاقيّ، المتقدّم، الساعي إلى السّلام، المدافع عن نفسه، المتسامح المتفضِّل علينا. وفي قراءة أثر هذه الحال، يصبح عاديًّا أو بديهيًّا أن تتراجعَ تجسيداتُ الهويّة الوطنيّة الجمعيّة، وأن تسودَ في الوقت نفسه قيمٌ ومفاهيمُ أخرى كالعجز والدونيّة والتبعيّة والفردانيّة والنفعيّة والعشائرية وغيرها.

لا يزال مسار مدريد-أوسلو ينتج تشوّهًا معرفيًّا وهويّاتيًّا. وهذا التشوّه يُنتج، بدوره، حالةً من الاغتراب بين أبناء الشعب الفلسطينيّ وبناته، خصوصًا الأجيال الناشئة. وإذا كان لنا أن نبحث عن مسارٍ جديدٍ يستنهض الحالةَ الفلسطينيّة، فسيكون ذلك رهنًا بقدرته على تطوير الخطاب والأدوات القادرة على استعادة فلسطين في وعي الأجيال الناشئة وفي هويّتها.

فلسطين المحتلّة


[2] انظرْ: حساب تويتر الخاصّ برئيس هيئة الشؤون المدنيّة، الوزير حسين الشيخ. وانظرْ أيضًا اللقاءَ الخاصّ معه الذي بُثّ على تلفزيون فلسطين في 17/11/2020:

https://www.facebook.com/watch/?ref=search&v=380795239908913&external_log

_id=059d1886-33ff-4260-81a8-8f2711dafc15&q=%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%A8%D9%84%

D8%A9%20%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE

[3] مجلّة الدراسات الفلسطينيّة، المجلّد 4، العدد 16 (خريف 1993)، ص 186، متوفّر على الرابط:

https://oldwebsite.palestine-studies.org/sites/default/files/mdf-articles/9066.pdf

[4]المقصود الجلسة التي عُقدتْ في غزّة بحضور كلينتون.

[5] انظر: الاتفاق الانتقاليّ بشأن الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة للعام 1995 (أوسلو 2)، وكالة الأنباء الفلسطينيّة (وفا)، متوفّر على الرابط: https://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=4924

[6] انظر: مذكّرةُ واي ريفير الموقّعة بتاريخ 23/10/1998، وكالة الأنباء الفلسطينيّة (وفا)، متوفّرة على الرابط:

https://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=4939

[7] انظر: اتّفاقِ ومذكّرة شرم الشيخ (واي 2) الموقعة بتاريخ 4 ايلول 1999، وكالة الأنباء الفلسطينيّة (وفا)، متوفّرة على الرابط:

https://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=4191

 

Share
Tweet
WhatsApp
Telegram
Vibe
Share
Email
Print