أمجد سليمان

 

مقدمة

تنزاح الأفكار الواردة أكثر نحو الجذور الفكرية، في وقت قد يقول قائل: (قد شبعنا تنظيرا) تعبيرا عن تشوّقٍ لإنجاز شيءٍ ما عمليٍّ يحقق نصراً ما ليشفي بعضا من جراح الشعب، ولكن ما من نصر يتحقق إلا بتحقيق شروطه وما من نصر يأتي فجأة ودفعة واحدة، النصر عملية تراكمية، وتستند الأفعال التي تحقق النصر إلى أقوال صحيحة. وأي ممارسة سياسية يومية تنطلق من سياسة استراتيجية -الثوابت-، وهذه بدورها ترتكز على أفكار نظرية، إن لم تكن عميقة وبالمسار السليم ضلّت وأضلّت. وهذا ما تناولته الأفكار والمقترحات التالية، والتي لا تدعي الإبداع أو الابتكار بل تم تناولها مرارا وتكرارا، وبمناسبة الإعلان عن المسار الفلسطيني البديل تُطرح للحوار. 

الرواية

“من يكتب حكايته يرث أرض الكلام، ويملك المعنى تماما”

محمود درويش..(لماذا تركت الحصان وحيدا)

يحتاج الفلسطينيون إلى صياغة أو إعادة صياغة روايتهم عن الصراع المتوالي فصولا، لأكثر من قرن من الزمان، ذلك أن الرواية عنصر مهم في الصراع لأن فيها طاقة كامنة حيث تُوحّد وتُفعّل الطاقات والقدرات، ولتكون الرواية فعّالة لابد من أن تكون موحدة، فالافتقار لرواية موحَّدة يعني فشل النضال وتبديد القدرات، وأيضا لتكون الرواية قادرة على استيعاب جميع القضايا التي تتكون منها القضية الفلسطينية، فالقضية تشرذمت إلى قضايا من تشرذم واقع حال أصحابها (عرب 48، وعرب 67، والشتات)، لكلّ مشاكله وقضاياه. والرواية الفعّالة تأخذ بعين الاعتبار كل واقع على حدة وتلمّ هذا التشرذم في وحدة واحدة لأن جذر المشكلة واحد ومسبّبها واحد، فالرواية التي لابد من صياغتها ليست مصطنعة، إنها الحقيقة الساطعة كشمس النهار، وليست مثل رواية افتعلها العدو حتى صدّقها، ولنا في ذلك عِبرة، كيف أن رواية متماسكة تحولت إلى طاقة هائلة جعلت الباطل ينتصر.

إن من طبيعة الرواية أنها تاريخية وأصيلة، لأنها تحكي ما حصل، والمقصود بالأصالة هو العودة إلى جذر الصراع لا إلى فصل من فصوله أو مرحلة من مراحله، دون أن تغرق في سجال سياسي مهما كان هذا السجال مهمّاً، فالمطلوب الرد ليس على طرف فلسطيني، إنما الردّ أولا على الهزيمة ومقاومة العدو بما هو سبب كل الكوارث التي لحقت بالفلسطينيين كلّهم، وهذا يُشكّل نقطة مهمة في توحيد الرواية بين الفلسطينيين في واقع حالهم المشتت حيث إن لم توحّدهم أيديولوجية أو جغرافيا، فإن عدوّهم يوحدهم، فهو أُسّ المشاكل للجميع، أي لمن أراد حقوقا متساوية (عرب48)، أو أراد دولة إلى جوار دولة (عرب 67)، أو لمن أرادها من النهر إلى البحر. إذن الرواية يقول عنصرها الثاني أنها مستقبلية فكما هي بطبيعتها تاريخية فهي كذلك تنشدّ للمستقبل، بل هذا هو الجوهريّ فيها أنها ترفض واقع الحال، ولا تستكين لميزان قوى مائل لصالح العدو، بل هي رواية مُعبِّأة لحشد القوى لتعديل ميزان القوى على أرض الواقع.

إن الرواية المطلوبة من مسارٍ بديل، هي رواية تعكس واقع حال الفلسطينيين ومن ثم تطلّعهم للمستقبل، رواية تعبّر عن ذاتهم ونظرتهم للآخر، وهذا منطلقهم لتوحيد وتفعيل طاقاتهم، وتحشيد القوى الشريكة والحليفة حول قضيتهم.

والانتباه ضروري إلى محذور يعاني منه الفلسطينيين أنهم يطاردون دوما متتبعين رواية الآخر، في محاولة مجهدة ومكلفة لدحضها، مما يصرفهم عن التركيز على روايتهم. “اعزف على قيثارتك بدل أن تدافع عنها”.

ومن شروط الرواية الفعّالة، أن تحدد نقطة انطلاقها وترتيب أولوياتها، ومن ثم تحديد هدف موحَّد، والافتقار إلى هكذا رواية هو الفشل المتواصل منذ مائة عام، وقلب المعادلة يحتاج ميزان قوى مائل لصالح الفلسطينيين، لأنّ مسارا/تيارا بديلا لا يملك خلق هكذا ميزان قوى، لأن ذلك يفوق طاقته وقدرته، ولكن يملك أن يكون لحظة البدء ونقطة الانطلاق لتحقيق الهدف الأسمى تحرير الوطن/فلسطين، ويبدو ذلك الآن بعيدا بُعد السماء عن الأرض، ولكن الثوّار يقتحمون السماء، هكذا الأحلام، وكل فكرة/حلم تبدأ بعمل بسيط وتَراكمه يحقق ما كان حلما ولو بعد حين.

الرؤية

“لسنا متأكدين من صواب الريح، فماذا ينفعنا أن نصل إلى أي شيء متأخرين”

محمود درويش.. قصيدة وصلنا متأخرين

تحتاج أي حركة اجتماعية إلى رؤية وخاصة حراك اجتماعي/سياسي، عليه صياغة نظرية صراع تستند إلى رؤية أصيلة لواقع الحال بكامل مساحته الاجتماعية، دون مبالغة في التفاؤل أو افراط في التشاؤم، والتنظير لواقع الحال كما هو الآن يعني ببساطة النظر بكيف وصلنا إلى هنا، والكيفية التي حال الشعب عليها. فالرؤية وعي الصراع بكافة عناصره وكيفية إدارته على النحو الذي يضمن قلب ميزان القوى من خاسر إلى رابح. فواقع الحال ليس إرادات شاءت أن تكون على ما هي عليه بل هو ميزان قوى موضوعي، ومهما كانت الإرادات طيبة ومهمّة فهي شرطا لازما غير كافٍ لتبديل الوضع المقلوب. إن عدم امتلاك رؤية صائبة دقيقة وعميقة للصراع وتأصيله نظريا منذ البداية يعني أن نُعيد انتاج الأزمة، فالرؤية المطلوبة هي انبثاق لوعي مختلف عن السائد، يعي جوانب وأشكال الصراع، ويستثمر الطاقات، عبر تركيم عناصر القوة في سياسة بعيدة المدى، وليس المقصود بالصراع فقط جانبه السياسي بل الجانب الأهم الحامل للسياسي، أي الجانب الاجتماعي.

إذن مطلوب من مسار فلسطينيٍّ بديل وثيقة تؤصّل رؤية هذا المسار لواقع الحال مستوفية شروط الرؤية وعلى رأسها معرفة الذات كما معرفة العدو، وثيقة توصّف الواقع (الحاضر) الذي يستغرق ضمنا (الماضي) أي كيف أصبحنا ما نحن عليه، لتنطلق الوثيقة/الرؤية إلى استشراف المستقبل من خلال سؤال: ما العمل؟ الذي يحتوي في طياته توضيحا تاما لوظيفة هذا المسار والدور الذي يتصدى له.

الخطاب ولغته

“من أنا؟ هذا سؤال الآخرين ولا جواب له.

أنا لغتي أنا، وأنا معلقةُ.. معلقتان.. عشر

هذه لغتي، أنا لغتي”

محمود درويش.. من قصيدة قافة من أجل المعلقات

الأفكار بحاجة أن تُصاغ في خطاب وليس المقصود بالخطاب الخطبة السياسية التي تكون عن موضوع محدد في زمن محدد بل المقصود الخطاب باعتباره طريقة في التعبير عن طريقة في التفكير، وبما أن الخطاب يتشكل من كلمات ومدلولات لها معاني عند مرسلها ومتلقيها، فلغة الخطاب يُشكّلها مُتلقي الخطاب كما يُشكّلها مُنتج الخطاب، وإنّ خطابا يُحاور جيلا جديدا شابا ومتعلّما ومثقفا وواعيا لقضاياه، يحتاج هكذا جيل إلى لغةٍ علمية لتشده ولتجعله يُفكّر بطريقة مختلفة وليشعر أن هذه اللغة ترتقي به وتعبّر عنه، فينجذب إلى الخطاب المصاغ بهذه اللغة التي تؤثر تأثيرا بالغا في فهمه للحقائق والأفكار وتفسيرها.

إذن إن مسارا يطرح نفسه بديلا لابد له من لغة جديدة تتصف بالعلمية، وتعكس رؤيته للواقع وبما أن الواقع غاية في التعقيد، ولغة الخطاب ينبغي أن تبسّط الواقع لاستيعابه من أوسع شريحة، والتبسيط يعني الابتعاد عن التعقيد، وهذا يؤدي إلى الابتعاد عن الواقع بدرجة معينة، فاللغة التي تشرح واقعا تنأى عن واقعها كلما نَحَتْ نحو الوضوح، وقد أكد علماء أنهم كلما حاولوا تبسيط مواضيع علمهم كلما ابتعدوا عن دقة التوصيف. وبما أن هذا القول ليس دعوة للغموض والابهام فينبغي إيجاد لغة إبداعية ليصل الخطاب إلى مُتلقيه فيتلقفه فاكّا رموزه، مستوعبا شِفراته، وليس المقصود باللغة الإبداعية الأسلوب الأدبي، ولكن حلّا وسطا يجمع دقة التوصيف لواقع مركّب من جهة، وإيصال رسالة صاحب الخطاب من جهة أخرى. عبر لغة علمية يصنعها أصحاب الخطاب، تُحدد هذه اللغة نوع الخطاب، كما تُحدد مُتلقيها المثقف المتنور الواعي قضايا أمته. إن من يصنع الخطاب يستحضر جمهوره وكيفية تفكيره، فتأليف الخطاب محكوم بالبنية المعرفية للجمهور، والذي ينبغي أن يُعامل باحترام وليس باعتباره حشدا.

ولصياغة لغة جديدة أهميّة قصوى، فهي إمّا تُحقق الحشد المطلوب والالتفاف المأمول حول الأفكار المطروحة وإلا الفشل، يقول أرسطو عن هذه الأهمية لصياغة اللغة: “لا يكفي أن يعرف المرء ما ينبغي أن يُقال، بل يجب أن يقوله كما ينبغي”.

إن خطابا سياسيا يُصاغ بلغة تتصف بالعلمية والعصرية سيجذب إليه حشدا مثقفا واعيا مؤثرا في مجتمعه، وإن لغةً “عمومية” هي تكرارا لخطاب موجود ولكنه متهالك يستعمل ألفاظا غير محددة، أي ينقصها التعريف، تستخدم مفاهيم وشعارات برّاقة ولكن ملتبسة هي “لغة عمياء”. إن ضبط المفاهيم وصوغ الشعارات يحتاج الدقة الشديدة لأن شعارا يُرفع ويندفع به جمهوره نحو هدف قد يكون بعيدا عن مصالحه، فيضيع هذا الجمهور ويُضيّع هدفه، وذلك ثمن باهظ لشعارٍ خاطئ لأنه لم تتم صياغته بالدقة اللازمة، والتأني الكافي، ليكون معبرا عن طموحات وأحلام هذا الجيل الشاب الجديد، بل وأهداف شعب بأكمله.

الوظيفة والدور

“سأقطع هذا الطريق الطويل إلى آخري وإلى آخره”

محمود درويش.. من قصيدة سأقطع هذا الطريق

إن أي أداة اجتماعية (حزب، جبهة وطنية، اتحاد، نقابة،…) تتصدى لأداء وظيفة اجتماعية، يجب أن تُدرك أن دورها ليس عاملا ذاتيا فقط، بل له أساس موضوعي يفرضه المجتمع ويملأه الأكفّاء، فإن كان الدور هو الجانب الذاتي، فإن الوظيفة هي الجانب الموضوعي، والوظيفة على ما تقول الفلسفة هي: “النشاط الذي يتكيف معه العضو الذي يؤدي هذه الوظيفة، ذلك الذي يكون علّة وجود بنيته، ذلك الذي تكون الحاجة إليه قد وُجدت قبل العضو، وكانت قد حددت تكوين العضو أو تغييره”. إذن الوظيفة محددة سلفا، يفرزها المجتمع لذا هي مسألة موضوعية تنتظر من يتصدر لأدائها، ومن يرتضي القيام بذلك هو الجانب الذاتي من الأمر لأنه يصدر عن وعيّ وإرادة، وهذا هو الدور، وترابط الجانب الموضوعي بالجانب الذاتي، يعني وجود أداة تصدت لأداء الوظيفة التي هي علّة وجود هذه الأداة والتي وُجدت للقيام بهذه الوظيفة وحاجة المجتمع لها، ومن الضروري لأي أداة تريد أداء دورها أن تمتلك رؤية شاملة وعميقة كما أسلفنا ومن ضمن عناصر هذه الرؤية وعيها لطبيعة الدور الذي ارتضت القيام به لأداء وظيفة حددها المجتمع لحاجته إليها. والوظيفة هنا هي رأب الصدع وجَسْر الهوّة، ما بين الواقع الذي يعيشه المجتمع/الشعب من جهة وبين آماله وأحلامه من جهة ثانية.

إن مسارا فلسطينيا بديلا يُفترض أن يمتلك وعيا بواقع الشعب الفلسطيني ووعيا بشروط الصراع مع العدو، مما يؤهله لامتلاك رؤية تتصف بالشمولية والعمق، تحدد من خلالها طاقات هذا الشعب وقدراتها هي على إدارة الصراع، أي أن توصّف بدقة موضوعية طبيعة دورها المستغرق بالوظيفة التي أوجدت هكذا مسار، وطبيعة اللحظة التاريخية الراهنة، ومستفيدة من كل التجارب التي خاضها شعبنا والشعوب الأخرى ومن تجربة العدو كذلك الذي يواصل النجاح في هذا الصراع ويستمر، وشعبنا يواصل الإخفاق والفشل رغم التضحيات، وسؤال: لماذا ذلك؟ هو جزء أساسي من رؤية تحدّثنا عنها، تعبّر عن انبثاق وعي مختلف عن السائد يُدرك أين يقف وطريقه وغايته.

البديل

“أُطلّ على موكب الأنبياء القدامى

وهم يصعدون حُفاةً إلى أُورشليم

وأسأل: هل من نبيٍّ جديدٍ

لهذا الزمان الجديد؟”

محمود درويش.. لماذا تركت الحصان وحيدا

عند الحديث عن بديل، يتبادر للذهن سؤال: بديل عن ماذا؟ أو بديل عمّن؟ ولكن السؤال الضروري طرحه منذ البداية بل قبل البداية هو: أي بديل نحتاج؟

أسلفنا عند الحديث عن الوظيفة والدور أن المجتمع يفرز أدوات تملأ الفراغ وتؤدي وظائف وتتصدى لأدوار، وهذه الأدوات هي مؤسسات هذا المجتمع القائمة أو تولد مؤسسات جديدة، والجديدة تنبثق من رحم المجتمع ليس رغبة بل لحاجة المجتمع لها، ذلك أن أدواته القديمة مأزومة، وذُكر أن الأزمة ما هي إلا عدم تحقيق الوعود أي عدم إحقاق الحقوق، فتصبح الحاجة ماسّة لأداة أو أدوات جديدة تُخرج المجتمع من أزمته وتُدير صراعا شاملا مع العدو، فالبديل مهمته في غاية الصعوبة، ومن شروط نجاحه أن يقرأ ويُعيد قراءة فشل الأدوات السياسية للشعب الفلسطيني، لأن هذا الفشل ثمين جدا كونه تجربة مدفوعة الثمن سلفا، حيث نلحظ أن جميع التيارات وألوان الطيف الفلسطيني ورغم اختلاف رؤاها وخطاباتها فإن النتيجة كانت واحدة ذلك أن الجميع اتبع في الممارسة نموذجا واحدا، ومن تجليات هذا النموذج الذي نجده عند الجميع في الممارسة: القطع مع الآخر بدل قراءة تجربته، والانطلاق من الصفر، كذلك خطاب منتصر يخالف الواقع، وأيضا التعامل مع الجماهير بفوقية –فالجمهور مجرد حشد-، وأيضا وأيضا الحزب قبل الوطن –وهذا طبعا ليس لسان المقال، بل لسان الحال-، وغيرها من الممارسات.

إذن بديلا جديدا يعني نموذجا جديدا في القول (الخطاب واللغة) وفي الممارسة، بذلك يكون بديلا أصيلا، يعي طاقاته وطاقات شعبه، ويعمل على إطلاق فعاليات هذا الشعب وتركيمها لتعظيمها أي تحويلها من كم إلى كيف، في صراع شامل ومفتوح مع العدو ولتعظيم الطاقات والقدرات لا مناص عن الديمقراطية، ذهنية ونهجا، لأن تجارب عديدة في العالم أثبتت أن الديمقراطية وإن كانت ليست وصفة سحرية، ولكنها أفضل الطرق للخروج من الأزمة، ولتفعيل الطاقات.

وسيجد بديلا جديدا في ثنايا هذا الشعب حالة ديمقراطية -وليس المقصود تيارا سياسيا- مبثوثة في كل مكان حتى داخل تنظيمات لا تُمارس الديمقراطية، هذه الحالة هي خزّانه ورصيده الثمين، ولا نقصد بالحالة الديمقراطية تيارا قائما بذاته، بل حالة مجتمعية موجودة وإن كانت بحالة “هيولى” كما تُعبّر الفلسفة، تحتاج من يُدركها وينظمها ليجد خلفه بل معه أُلوفا تريد العمل وتتلمس طريقها، بعد أن استبد أُولي الأمر بكل أمر مما أدى إلى هدم روح المبادرة فمات الإبداع وتوقف تقدم المجتمع وتطوره.

إذن البديل ديمقراطي أو سنجتر الأزمة، وليس المقصود بالديمقراطية الانتخابات بل ذهنية جديدة، ومنهجا فكريا متنورا، وممارسة مجتمعية، ومشروعا وطنيا شاملا.

وعليه، الانتباه سيكون واجبا، أن مسارا فلسطينيا بديلا مطلوبا، هو أعمق من معارضة مسار سياسيّ، وأن معارضة مسارا استسلاميا قاد إلى هزيمة، هو ليس البديل، فمعارضة هذا المسار الاستسلامي هو جزء من ممارسة سياسية، أما البديل الوطني الديمقراطي فهو عملية أشمل سياسيا واجتماعيا..

التواصل والتشبيك

“سنصير شعبا، إن أردنا، حين نعلم أننا لسنا ملائكة،

وأن الشرّ ليس من اختصاص الآخرين.

سنصير شعبا حين نحترم الصواب، وحين نحترم الغلط”

محمود درويش.. من قصيدة إن أردنا

ما بين النكبة إلى قيام منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك ما قبل النكبة، لم يتوقف الرصاص مع العدو، وإن على شكل متفرق، حيث لم يكن ثمة رصاصة أُولى أو ثانية أو ثالثة… كان الرصاص متواصلا، وتشكلت في هذه الفترة عشرات التنظيمات الصغيرة والكبيرة، النخبوية والشعبية، القومية والوطنية،… إلخ. بعضها اضمحل وبعضها اندمج وبقي منها ما هو معروف وكان مصير الجميع ما هو عليه الآن من الأزمة/المأزق.

كذلك في هذه المرحلة من الصراع وانسداد الأفق بدأت تتشكل مجموعات على شكل مؤتمرات ومجموعات وتشكيلات متعددة تدعو وتعمل للخروج من هذا المأزق الذي يعانيه الجميع، والولادات غالبا إن لم نقل دائما صعبة وشاقّة، -وخاصة في هذه المرحلة التي أصبح فيها التطبيع مع العدو سياسية “وطنية”، والتواصل معه سلاما-. وليضمن مسارا فلسطينيا بديلا تجاوز عوائق الولادة ومن ثم الاستمرارية، فلابد من توفير شروط النجاح، ومن هذه الشروط دراسة التجارب العالمية والوطنية، في الماضي والحاضر، الناجح منها والفاشل، والتواصل مع إقامة علاقات ديمقراطية سليمة مع كل من يسعى للخروج من الأزمة الوطنية، بل والتشبيك معه كي لا يكون الجميع قطرات تائهة في محيط، بل ليتحول الجميع تيارا وطنيا ديمقراطيا يحقق الأحلام ويصل الغايات. وبالحوار يتحقق التواصل ومن ثم التشبيك ليعمل الجميع معا، بصيغة ديمقراطية تتقبل الاختلاف لأنه غِنىً، وليس كما كان ومازال التنافس حد العداء عبر رفض الآخر ورفض والاختلاف، والمحاولة للسيطرة على الضعيف من قبل القوي في صراع محموم على السلطة والتسلط.

ويمكن عمليا طرح العديد من صيغ العمل الجماعي للخروج من المأزق، فلا خروج لطرف دون الآخرين، فإما أن تنجوا السفينة أو يغرق الجميع. ومن صيغ العمل الجماعي “الكونفيدرالية”، ليعمل كل حسب وسائله ولكن ضمن برنامج واحد مُوحِّد، متفقٌ عليه، لإحقاق ذات الهدف -الحرية والكرامة- لأنه هدف وغاية الجميع.

التمثيل

“الشجرة أُخت الشجرة أو جارتها الطيبة

الكبيرة تحنو على الصغيرة، وتمدها بما ينقصها من ظلّ.

لا شجرة تسطو على ثمرة شجرة أخرى،

وإن كانت عاقرا لا تسخر منها.

ولم تقتل شجرةٌ شجرةً أخرى ولم تُقلد حطابا”.

محمود درويش.. من قصيدة ليت الفتى شجرة

المقصود بالجميع كل من يتصدى لدور في انجاز الوظيفة التاريخية، ليس طرفا دون غيره، وإنما كل من يرتضي لنفسه لعب دور في النضال الوطني، وبما أن ساحة العمل الوطني بها تيارات وألوان متعددة حمراء وصفراء وخضراء، فالمطلوب التشبيك مع الجميع، والجميع هم: أقصى اليسار الوطني الديمقراطي إلى أقصى اليمين الوطني الديمقراطي، واللاحقة هنا -الديمقراطي- هي أساسية، فمن لا يتمثّلها ويعمل من خلالها وبها سيكون متسلطا، ونقع مرة أخرى فيما نحن فيه، أي تأبيد الأزمة وحتمية الهزيمة.

وإن كانت الأفكار حول التمثيل في البداية غائمة لكنها ستتبلور خاماتها وتتشكل، ويُسهم شبابٌ ديمقراطيٌّ متحفّزٌ للعمل في تشكيل هيئاته ومؤسساته واتحاداته وجالياته الوطنية الديمقراطية التي ستتمثل في مؤتمر منشود، وعبر هذا المسار أو غيره يقول المنطق أن شعبا حيويا لابد سيبدع شبابه طريق انتصاره.

ما قبل المؤتمر

“فتح النافذة على ما تبقى من أُفق.

وقال: ليس الأمل مادة ولا فكرة.

إنه موهبة”

محمود درويش.. من قصيدة موهبة الأمل

كي تنجح جهة ما بتأدية المهمة المطلوبة منها، فإن على الجهة المعنية بالتنفيذ –اللجنة التحضيرية- أن تحدد المهام المطلوبة، ثم ترتب الأولويات، فترتيب الأولويات في غاية الأهمية حيث أن ما يجب إنجازه هذا العام ينبغي ألّا يؤجل للعام المقبل، وما يمكن تأجيله فلنتخفف منه هذا العام، دون تركه، إن مسارا بديلا ارتضى لنفسه مهامّا وطنية جليلة لا يستطيع أن يعالج جميع المسائل دفعة واحدة فالتخفيف من حِمل المؤتمر الأول ضرورة كي ينجح. فبعد صياغة الرؤية تنطلق أو هكذا يُفترض فعالية فكرية تعصف بالأذهان فيشتغل العقل الجمعي، وربما تحدث الأمور بترتيب آخر، أي يشتغل العقل الجمعي فيضع روايته ورؤيته، وإن كان هذا أو ذاك فإن ذلك يحتاج إلى عشرات المؤتمرات/الاجتماعات ومئات اللقاءات في شتى المواقع، ولأن واقع الشتات الفلسطيني في الخارج، والاحتلال في الداخل يجعل من الصعب على الجميع التحايث في المكان فلا غِنى عن استخدام وسائل التواصل، حيث تُصاغ برامج العمل الواقعية، وتتلاقح الأفكار، وتغتني التجارب من بعضها. وهنا يقع على عاتق اللجنة التحضيرية أن تُبرمج وتُخطط لكل ذلك، لأن البرمجة والتخطيط هي جوهر العمل القيادي، وبما أن الإدارة علم فالحاجة ماسّة لأهل الخبرة علماء الإدارة وفيهم من شباب الوطن الكثير. ومن المحذورات الواجب التنبه لها ألا يكون التحشيد غاية، إن مؤتمر بأقل عدد ممكن من المشاركين الممثلين لمؤسساتهم، سيكون أكثر فعالية من مؤتمر احتفالية “عرس” به طبل وزمر أكثر مما به من فكر وعقل.

إن اجتماعات تمهيدية ولقاءات تتوفر بها بيئة للنقاش الديمقراطي، هي بيئة تُثبّت ثقافة الديمقراطية التي تقبل الآخر وتسمع له، وتؤمن بالتنوير وبالتجديد وتُفسح له المجال، فتتبلور هوية الحالة الديمقراطية وتتشكل، فالثقافة الديمقراطية تربية بحاجة أن يتم تعلمها، فما سيُزرع في البداية سيُحصد في النهاية.

إن جدول أعمال للمؤتمر يتصف بالوضوح ومحدد وغير مترع بالمهام الصغيرة والكبيرة، الثانوية والأساسية، مرتب الأولويات، هو جدول أعمال لمؤتمر سيكون استثنائيا من خلال النتائج المنبثقة عنه، والتي تتقرر سلفا قبل انعقاد المؤتمر من خلال الجهود المبذولة، ومن خلال الوثائق التي تشكل رؤية المؤتمرين، فالمقدمات تحدد النتائج.

ومن النتائج المرتقبة صياغة برامج العمل الواقعية والممكنة التنفيذ ومن البرامج نتبع المهام، والمهام مرتبطة بآليات التنفيذ، ومحددة المواقيت، وإلا كان الخطأ المصيبة الذي وقع به من وقع حيث ادعاء رؤىً “صائبة”، والنتيجة فشل في كل المجالات، فالمثل يقول: “لا تكبر حجرك كي يصيب”.

النخبة المثقفة المفكرة

“قد يخمش الغرقى يدا تمتدُّ

كي تحمي من الغرق”

محمود درويش.. من قصيدة مديح الظل العالي

إن حراكا مجتمعيا يفرز أدواته، من ضمنها نخبة سياسية ستتشكل في سياق مسار هذا الحراك، لتقوده، وتضمن أن ينطلق المسار من نقطة صحيحة ويحافظ على اتجاهه الصحيح، هي نخبة تخضع لمعايير الديمقراطية لضمان التجدد اللازم والضروري لأي حراك مجتمعي ولأدواته. هكذا نخبة تحتاج وبشدة إلى نخبة مثقفة/مفكرة أي تُنتج فكرا يستقرأ الواقع، نخبة مفكرة تطرح الأسئلة القلقة والمقلقة، واشكاليات مجتمعها وتصوغ رؤاه، هكذا نخبة هي التعبير عن العقل الجمعي، هي رأس هذا الجسد، حيث أن جسدا دون رأس سيمضي خبط عشواء، ويتبع منهج التجربة والخطأ، والقضية الفلسطينية ما عادت تحتمل ترف التجريب وإضاعة الوقت الذي ثمنه في العالم كله ذهبا وفي فلسطين دما.

والمقصود بالنخبة المفكرة ليست كتّاب الصحافة والأدباء والفنانين، بل هم مُنتجو الفكر الذي يُعنى بالشأن العام، فعلى عاتقهم تقع صياغة الثوابت والرؤى والبرامج، يتصفون أو هكذا ينبغي بأنهم مثقفين عضويين بالمعنى الغرامشي، ومثقفون مشتبكون بمعنى وراء العدو في كل مجال: السياسة، والاقتصاد، والمجتمع، والأحزاب، والعلم، والتعليم، والعسكر، والأمن، وكل حقل، يتابعون تفاصيل التفاصيل في نقاط ضعفه وقوته، كما تماما نقاط ضعف مجتمعهم ومكامن قوته. ولتوضيح عمل النخبة المفكرة هذا المثال البسيط والعملي:

نادي ليفربول الإنكليزي شكّل لجنة تُخطط له، مؤلفة من عالم حاصل على دكتوراه في الفيزياء، وآخر دكتوراه في الفلسفة، وثالث عالم رياضيات بطلا في الشطرنج، يقومون بمعالجة المعطيات وتحويلها بيانات لتصل معلومات بين يدي أصحاب القرار. ومن المعروف أن كل فريق لكرة القدم مثلا يحتاج فريقا طبيا، وفريقا فنيا (مدربين ومساعدين)، وفريقا قانونيا، وفريقا احتياطيا، إضافة إلى المالية، والإدارية،… وغيرها من الفرق. كل ذلك لإدارة فريق كرة قدم بشكل ناجح، فكيف إن كان الأمر للتصدي لقضية وطنية كبرى (الاستقلال والتحرر الوطني والعودة).

إن النخبة المفكرة/المثقفة هي من أهم أجزاء أي حراك/مسار مجتمعي جديد وهي لا تخضع للانتخابات لأنها ليست صاحبة قرار ولكن كل قرار يمر من خلالها. هكذا دول العالم الكبرى لها معاهد تُخطط وتدرس وتُقدّم الأفكار لأصحاب القرار، ويحضر في هذا السياق ذكر مركز الأبحاث الفلسطيني “مالئ الدنيا وشاغل الناس” في السنوات العشر الأولى من ولادته، قبل أن تمسخه السياسة الفئوية الضيقة كائنا آخر. وعليه يمكن طرح الآن أو لاحقا فكرة مؤتمر موازي للمسار يكون لنخبة مثقفي الشعب الفلسطيني الأكاديميين، وذلك لإعادة الاعتبار للعقل الجمعي العربي الفلسطيني.

الخاتمة

الأفكار متعددة وطرحها لا يعني أن اللجنة التحضيرية للمسار الفلسطيني البديل لا تعرفها، ولكن هي مساهمة في التفكير معهم للخروج من هذا المأزق الصعب الذي علقت به القضية الوطنية، ومن الأفكار التي يمكن ذكرها وتحتاج للبحث وتوضيح الموقف، العلاقة مع منظمة التحرير الفلسطينية التي دفع الشعب الفلسطيني أثمان باهظة من أعمار شهداء وحريات أسرى كي تكون، فهل تُلفظ لأنها أسيرة سلطة “وطنية”؟ حيث تُسمع أصوات كهذه. إنها مُلك الشعب، كما هي فلسطين للفلسطينيين، وقد اغتصبها العدو فإن لم نعرف حتى الآن كيف نستردها فهل نتركها له؟!

وكذلك العلاقة مع الفصائل الفلسطينية، يُحسن المسار البديل صُنعا لو عمل مرارا وتكرارا على توضيح العلاقة معها، فذلك لا يضير، ويفعل خيرا لو دعا ممثلين عن الفصائل لحضور مؤتمره ولو ضيوفا.

سيواجه المسار البديل عقبات سهلة وصعبة وما بين ذلك، وممانعة وربما محاربة من المجتمع الفلسطيني نفسه، لأن هذا من طبائع الأمور، كل شيء له نقيضه، ولكن المحاربة القوية ستكون من العدو الذي يراقب بصمت وخُبث، فإن كانت مسيرة المسار بالاتجاه الصحيح سيكون هجومه شديدا، فهل أنتم مستعدون؟

لا نتشاءم ولا نتشاءل.

 

Share
Tweet
WhatsApp
Telegram
Vibe
Share
Email
Print