الوعي الثوريّ البديل .. أساس المواجهة الشاملة

 

سلامة الزريعي

 

“يندرج هذا المقال في سياق إثارة أسئلة الوعي الثوري البديل نحو ثقافة المقاومة وفي مواجهة مشاريع التصفيّة ونهج مدريد – أوسلو

بعيدًا عن روايات المشروع الصهيونيّ العنصريّ الاستيطانيّ وما يحلوا الترويج له عبر أساطيره وأكاذيبه المُزيفة للحقائق وتجنيده لوسائل الإعلام الصهيونيّة وبعض الوسائل العربيّة المتصهينة لترّسيخ صورته الاستعماريّة البشعة في ظل مثلث التحالف العدائي “الصهيوأمريكي الامبريالي والرجعيّة العربيّة” دون مراعاة لمصالح الشعوب وتهديد حياتهم ووجودهم لدك جذور سرطانه الخبيث في الأرض الفلسطينيّة المعطاءة، عبر مستعمراته وطرقه الالتفافية الجاثمة على صدور أهلنا وشعبنا في كامل ربوع فلسطين المحتلة .. دون رادع  ولا حسيب ولا رقيب.

وبعيدًا عن الخطابات المُنمقة الدَّاعية إلى “المصالحة الفلسطينية” الممجوجة، وعن التمسك بالوحدة الوطنيّة خياراً استراتيجياً، وعن وثائق الوفاق والبيانات والتوقيعات والتفاهمات، كمرجعيّة وطنيّة لإدارة الصراع مع العدو الذي يستوطن على الأرض، ودون خطابات وأهازيج وعنتريات لا تُسمِنُ ولا تغني من جوع. ( نستثني السواعد المقاوِمة والمقاتِلة) نقول:

إن الحركة الصهيونيّة عبر مشوارها الطويل ومنذ لحظة التفكير الأولى في إنشاء هذا المشروع الاستعماري العنصري لتفتيت وحدة الأمّة والقضاء على كل نبضٍ تقدميّ فيها، عملت بكل ما أوتيت من قوة على وضع الخطط والاستراتيجيات وتوظيف “إبداعاتهم الفكريّة ” العنصريّة أوصلت البعض في منطقتنا إلى الهزيمة و “فلسفة الاعتراف” وشعار”التعاون والحب والتبادل” وإلغاء ميثاقنا الوطني الذي عمدناه بدماء شهدائنا الأبرار ــــــ ومد أذرعها عبر جميع المؤسَّسات الأكاديميّة وتجنيد العديد من المثقفين وغيرهم وكأن الإنسانية عاقر من المفكرين إلا اللذين يُنظّرون للصهيونيّة، وصرنا نتشدّق بهم على الملأ في جامعاتنا وتخصصاتنا الإنسانية والاجتماعية بالخصوص على اختلاف ميادينها وتحت شعارات واهية، ألا يستدعي كل هذا الرّد الواعي الثوري والبديل القائم على الفعل وطنيًا وقوميًا وأمميًا ؟

إن شعبنا الفلسطيني يعيش لحظات تاريخية حرجة في ظل محاولات إخضاعه ودفعه للاستسلام عبر استدراج المزيد من الأنظمة الرجعيّة العربيّة لإدخالها إلى الإسطبل الصهيوني الأمريكي أمام الصمت العربي والدولي عمّا يجرى من قتل وتدمير يوميّ، واقتلاع وتشريد واعتقالات، وقضم للأرض، وعربدة قطعان المستوطنين المستمرة في الحرق والاختطاف والتهجير والاستيلاء على البيوت.

إنّ المحاولات العاجزة لتبرير الاستسلام تحت غطاء التنسيق الأمني ما هي إلا دعوة للخنوع والتفرّيط بحقوق هذا الشعب الأبيّ الراسخة جذوره في الأرض منذ آلاف السنين وما يزيد والمؤمن بمقولة “ما ضاع حق ووراءه مطالب” ، رغم ايهام البعض بالحلول التي جوهرها تفريطي بالحقوق الوطنيّة، حتى نسينا زمن المواقف الثورية التي كنا نسمعها ونرددها ونمارسها وفي مقدمها : وراء العدوّ في كل مكان.  

إنّ الاتفاقيات المزعومة “بالسلام” تقع على أشكالها وسلطات الحكم العربية بأنواعها ما هي إلا صورة ومسلسل الهزائم والخنوع، وما تسريح الكوادر ودفعهم للتقاعد القسري إلا دليلا على التواطؤ بعينه مع المشروع الصهيوني التصفويّ فـ “لا نُخَبِّئ الشمس بالغربال”، وقد أصبحت الرواتب هي ” الهدف” حتى آخر الشهر وحتى النصر” !

كيف يمكن للثوار أن يستكينوا للراحة وإراحة الاحتلال من مسؤوليته أمام العالم ؟ إنها نتيجة مؤلمة وقاسيّة ومريرة تجلّت بإحالة مناضلي ومناضلات الثورة إلى التقاعد والتحكم بقرار معظم الكوادر وتعزيز دور بعض الفصائل والشخصيات الانتهازيّة والوصوليّة.

إنّ الوجه الحالك لما شاهدناه وما نعيشه اليوم ونشاهده من خضوع وانبطاح وجريان وراء السراب نحو المعانقة مع المحتل تحت عناوين شتى تجلّت فيما يُعرف باتفاقيات التطبيع مع ( مصر، الأردن، عُمان، البحرين، الإمارات، السودان، المغرب ..إلخ)، وعبر مختلف أشكاله، الثقافية، الرياضية، الاقتصادية، التجارية، العسكرية، الأمنية، الدبلوماسية وغيرها، وصولاً إلى ” التطبيع العائلي” واستضافة إسرائيليين في بيوت إماراتية، وما كل هذا إلا عار وخزي وارتشاف كأس الذل والعهر ودليلاً على الانحطاط والاستسلام والرضوخ.

إنّ المدقق في صورة “العائلة الإماراتيّة” التي احتفت بعدد من  هؤلاء المستوطنين الصهاينة في دبي، كما يقول الدكتور رامي عبده، رئيس المرصد الأورو متوسطي لحقوق الإنسان على صفحته: ‏نجدهم: ‏”شيبي فرومان” وزوجته ميخال. ‏وشيبي هذا هو نجل الحاخام المُتطرِّف “مناحيم فرومان” يقطن في مستعمرة “تكواع” شرق بيت لحم في قلب الضفة المحتلة. و‏ثلاثتهم من أهمِّ الداعمين لتمدُّد المستعمرات وإبادة العرب. ‏

وفي هذا السياق تأتي “الزيارات” السرّية والعلنيّة لأحد المطبعين الإماراتيين لحائط البراق، وتكرار مقولة وتسمية عدونا للمكان بـ “حائط المبكى” زاعمًا أن سبب قيامه بهذه الخطوة هو “نقل الطقوس اليهودية كجزء من ثقافة الاطّلاع على شعائر الأديان الأخرى”. !

لقد أصبحت الإمارات نافذة يدخل من خلالها أعداء الأمّة العربيّة والإسلاميّة، بحماية قوات الاحتلال الصهيوني. انه عدوّ مجرم تستوجب مواجهته بكافة أشكال المقاومة لاستنزافه وإيقاع أفدح الخسائر في صفوفه.

إن الشعوب العربية قاطبة لا زالت ترفض التطبيع وتلفظ الوجود الصهيوني ومستمرة في مقاومته وتحمل في طيّات رفضها عوامل نهوض وانفجار يمكن استثمارها وتحويلها إلى فرص تعمل على تعزيز الفعل الثوري والرفض الشعبي وتوسيع رقعة مقاومة التواجد الأمريكي الصهيوني في المنطقة، فـــ النضال كما يقول: “مهدي عامل” “وعد الكادحين بان أنظمة الرجعية إلى زوال”.

مقاومة هذا الزحف نحو التطبيع سيكون بداية إيقاد شرارة شعلة الوعي الثوريّ البديل لدى أحرار الأمّة في كافة الدول العربيّة المُطبّعة لإعادة استنهاض ذواتها ولملمة شملها بالعودة إلى كل الجبهات والتنظيمات والحركات الثوريّة. هذا ما نأمله لتجاوز حالة الترهل الفكريّ والمعنويّ التي يعيشها أبناء شعبنا، وشروط المرحلة التي أدت إلى اللامباة والالتهاء في مشاريع خاصة ذاتية لغياب الجهة الحقيقية المؤطرة. ولنعمل على قاعدة : ـ “ما حك جلدك مثل ظفرك“.

ورغم كآبة المشهد، توجد عقول نيّره نابضة بالوعي الحقيقي لمقاومه المشروع الصهيونيّ وأدواته الرجعيّة، نحن في حاجة ماسّة اليوم الى مراجعة فكريّة عميقة وجذريّة مع الذات للإجابة على سؤال الفشل وأسبابه في بعض المشاريع والذهنيات الفلسطينيّة.

أين ثقافة المقاومة والأناشيد والأغاني الثوريّة؟ أين الأدب الثوريّ؟ أين صورة الزهرات والأشبال وأطفال الآر بي جي  ؟ ودروس معركة قلعة شقيف و”حرب الجسور” وصمود المخيمات وسيرة شهداؤنا الأبطال؟ أين شباب الانتفاضات على تعاقبها؟ اننا في زمن صار يستوي فيه الخبيث مع الطيب؟ وهل هكذا نضع حداً للمشروع الصهيوني الامريكي الذي أكل الأخضر واليابس؟

إنّ التحديات الخطيرة التي تواجهها قضيتنا الوطنية بحاجة إلى تضافر الجهد الوطني والشعبي  لمواجهة نهج التسوية المدمر الذي ما زال يراهن على مسار المفاوضات والغوص أكثر في وحل اتفاقيات أوسلو، ومفاوضات التصفية.

فلنوقد شرارة الوعي عبر المسار الثوريّ البديل، لإعلاء الهامات ورفع الرايات والصدح عاليا في كل البقاع الفلسطينية أينما وحيثما وجد فلسطيني/ فلسطينية تنبض قلوبهم غيرة وطنية وقومية تقدمية بالقول لا لنهج التخاذل والتواطؤ مع عدونا مغتصب الأرض، ونردد ” ألقوا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب” كما فعل الجزائريون الأحرار إبان ثورة التحرير الجزائرية التي تُوّجت بالنصر العظيم.

إن العدوّ لا يفهم إلا لغة القوّة الواعية، التي تنطلق من دراسة الواقع الدقيق لطبيعة المشروع الصهيوني، فالمقاومة هي الطريق الوحيد القادر على ردع العدوّ وحماية شعبنا من جرائم وعربدة الكيان ومستوطنيه المتواصلة، فقط بالقوة يحمي الشعب حقوقه ويصون مسيرته النضاليّة.

وأخيرًا، لابد من السعّي نحو التغيير الثوريّ والارتقاء بأدوات النضال الوطني والقومي والأممي، المعادي للاستعمار، وعيًا عميقًا بالعدو الثلاثي، الامبريالية والصهيونية والرجعية، الوعي الذي يُعبّر عن ولادة حالة نضالية شاملة ودائمة، قادرة على التجديد والارتقاء بالفعل الشعبي الجماهيري من أجل تحقيق التحرير والعودة.. ومعاً نحو المسار الثوريّ البديل.

Share
Tweet
WhatsApp
Telegram
Vibe
Share
Email
Print