الانتخابات الفلسطينية: مصلحة وطنية أم مصلحة للآخرين؟

محمد عليان

طوال خمس عشرة عامًا كان يجري الحديث في الوسط السياسي والإعلامي عن انتخابات فلسطينية “تشريعية ورئاسية” سرعان ما يخبو ويتلاشي حتى يعود إلى الواجهة،غير أن هذه المرّة تجري خطوات عملية متسارعة على قدم وساق من داخل وخارج المشهد الفلسطيني شاهدنا إصدار “المراسيم الرئاسية” و” التعديلات على القوانين” و” تفاهمات حركتي فتح وحماس” ولا نريد الدخول في تنظير قانوني عقيم فيما اذا كان “يحق للرئيس أم لا ” إصدار مثل هذه القوانين وتنفيذها في ظل الغياب الشامل لكل المؤسَّسات الوطنية الفلسطينية بما في ذلك المجلس التشريعي نفسه، وهذا موضوع آخر سيدخلنا في دهاليز بعيدة عن أصل الفكرة وفي نفق كبير لا مخرج منه.

للأسف الشديد هناك عدد كبير من المثقفين يفكرون في حدود ما ورد أعلاه، وبهذه الطريقة ينساق البعض منا إلى خطاب تضليلي تنتجه قوى اليمين الفلسطني والمواقف والرؤية الصهيونية والرجعيات العربية من جهة أخرى، في مشاغلة الشعب الفلسطيني ودفعه بعيدا عن تحقيق أهدافه الرئيسية في التحرير والعودة وتقرير المصير، بل دفعه إلى دوائر ضيقة ومطالب ثانوية تفصيلية لا حصر لها على غرار ثنائية “الانقسام والمصالحة ” وصراع ” فتح – حماس” في ظل خطاب إعلامي فلسطيني وعربي بائس يعتاش على ذلك ولم يرتق ولو مرة واحدة إلى مستوى المسؤولية الوطنية والقومية والتحدي والخطر الكبيريين الذين يواجهان الأمة العربية باستمرارية وجود (إسرائيل) كقاعدة استعمارية متقدمة للامبريالية العالمية في قلب الوطن العربي الكبير والتي تتوافق مصالحها مع الرجعية العربية الى حدود التحالف الذي يتحكم في رقاب الناس وفي الخطاب السياسي الإعلامي على حد سواء.

إن مشهد “الانتخابات” في الحالة الفلسطينية، يُعيدنا إلى المربع الأول عام 1996 الذي أسس لأول “انتخابات رئاسية وتشريعية”حيث كانت بداية منظمة وممنهجة ترافقت مع شطب حزمة من مواد الميثاق الوطني الفلسطيني الذي سطرها الشعب الفلسطيني بالنضال والدم بعد انطلاق ثورته في منتصف الستينات من القرن الماضي، هذه الوثيقة التاريخية والأساسية التي حددت أهدافه الوطنية في وضوح تام ثم جرى تجريفها من مضمونها الثوري، وقد جرى هذا الانتهاك الصارخ في وضح النهار على يد أعضاء من المجلس الوطني وبعض المستقلين ومشاركة بعض الأحزاب في مجلس غير شرعي عقد في قطاع غزة عام 1996 بطلب من الكيان الصهيوني وبحضور الرئيس الامريكي بيل كلنتون شخصياً !

الشعب الفلسطيني لا يتواجد في الضفة والقطاع فقط، فهناك شعبنا في فلسطين المحتلة عام 48 وهناك ما يقارب 7 مليون شخص يعيشون في مخيمات اللجوء والشتات، فأين هم من هذه العملية ” الانتخابية” التي يتم توصيفها على أنها حرة ونزيهة وديمقراطية؟

وهل يعقل أن يكون “الرئيس” منتخب من ربع أو ثلث الشعب حتى لو كنا بصدد دولة فلسطينية كاملة السيادة؟ أم ستظل هذه شرعية منقوصة لا تمت بصلة أبداً إلى النزاهة والديمقراطية؟ كيف والحال انها انتخابات أرادها الاحتلال لتمرير مشروع سياسي لمرحلة وضمان استمرارية مسار أوسلو وفق حساباته الدقيقة وعلى مقاس طبقة فلسطينية تابعة له؟

ولا يمكن أن تكون الانتخابات عملية نزيهة وهي باطلة من جذرها وغير شرعية ومنقوصة؛ لأن المتحكم في عمليتها وسريانها على أرض الواقع هو كيان الاحتلال الصهيوني والقوى الاقليمية والدولية التي ترعاها وتمولها، وسنشهد المحصلة والنتائج حيث كانت الابتعاد التدريجي عن المجلس الوطني الفلسطيني الذي جرى تجميده فيما هو الأساس والأصل، فأصبحت السلطة الفلسطينية هي التي تتحكم في قرار المنظمة وليس العكس، وهذا الواقع المركب سيخدم سياسات الاحتلال الصهيوني ويكرس حالة تهميش شعبنا في الداخل والخارج في آن واحد.

وبعد انتفاضة الأقصى عام 2000 وفي أحداث دراماتيكية متتالية بعد مرور خمسة أعوام جاءت خطة شارون الصهيوني المعروفة باسم” فك الارتباط مع غزة” عام 2005 والتي تنص على الانسحاب من قطاع غزة وإعادة التمركز للجيش الصهيوني على حدودها متحكما بها من الجو والبحر والبر، ورغم انها جاءت تحت ضربات المقاومة إلا أن الهدف الأساسي منها كان القضاء على فكرة الانتفاضة والمقاومة المسلحة وفق كمين محكم الأوصار معد مسبقاً تم نصبه لجر المقاومة لنهج أوسلو ممثلا في السلطة الوطنية ودفعها للمشاركة في العملية الانتخابية.

وبالفعل وقعت قوى المقاومة في هذا الفخ للأسف (باستثناء حركة الجهاد الاسلامي) وشاركت حركة المقاومة حماس أكبر فصيل مقاوم وغيرها من قوى في هذه اللعبة الخطرة، وفازت الحركة في العملية الانتخابية وشكلت حكومة لها عام 2007 ودخلت في تناقض دامي مع حركة فتح اللاعب السابق والمؤسس للسلطة الفلسطينية، مما زادت الضغوط الخارجية والداخلية على شعبنا في القطاع ونتج عن جراء ذلك سيطرة الحركة على السلطة بالقوة المسلحة إلى غاية الآن في قطاع غزة. واكتشف الجميع ان ” المجتمع الدولي” لا يدافع عن النتائج الانتخابية الا اذا جاءت وفق مقاسه وحسب أهوائه.

ان المحصلة النهائية لكل ما يسمى ” اللعبة الديمقراطية” كانت المزيد من الاتقسام الداخلي الذي عطل المشروع الوطني الفلسطيني حيث تراجعت القضية الفلسطينية في الشارع العربي وفي المشهد الدولي أيضاً.

وبات واضحاً أن الانتخابات الفلسطينية تأتي وفق معادلات ومصالح الآخرين وما هي إلا مصلحة أمريكية صهيونية بامتياز، تعود بالدمار والخراب على الشعب الفلسطيني كما تقول لنا التجربة الملموسة، وهو ما تبين فيما بعد وأثبتته الأحداث، وما حالة الانقسام والحصار التي تعيشها الساحة الفلسطينية إلا دليلنا القاطع على ذلك. فلا يمكن ان تكون الحلول اللاوطنية مدخلا لحلول وطنية تؤمن مصالح وحقوق ووحدة الشعب الفلسطيني.

 

 

Share
Tweet
WhatsApp
Telegram
Vibe
Share
Email
Print