اجتماع الفصائل الفلسطينيه في القاهره:

تهافت التهافت

انيس فوزي قاسم[*]

نُشرت في جريدة “القدس العربي” بتاريخ 11/2/2021               

حين يقرأ المرء قائمة اسماء المشاركين في اجتماع القاهره لا يخالطه الشك في ان المشكله الاساسيه في الوضع الفلسطيني هي ان المجتمعين لحل مشكلة الوطن والقضيه هم أنفسهم المشكله. ولو غاب هؤلاء عن المشهد ربما نجد طاقة أمل في التقدم. ولا أقول هذا تشفياً- لا سمح الله- أو مناكفة – معاذ الله- بل أقوله بأمانه شخصيه ادعيها. وللتدليل على ذلك لابدّ من ان نسوق  مثالين لا غير لكي نرى السذاجه في اهتمامات المجتمعين حالياً في القاهره.

بداية، لا أحد يعلم ما هي اجندة الاجتماع على وجه اليقين، ولكن قد رشح قبيل الاجتماع ان بنداً رئيساً واحداً يتقدم جدول الاجتماع وهو وضع آلية لانجاح الانتخابات. هذه هموم المجتمعين، ليس الاّ؛ هذه هي الاوجاع التي تقضّ مضاجع الفلسطينيين وحسب. هم لا يدرون ان  الولايات المتحده نقلت اسرائيل من مركزها في القوات الاميركيه في اوروبا، الى ان تكون جزءاً من القياده الوسطى للقوات الاميركيه، اي انها اصبحت بالتحالف مع القوات الاسرائيليه سلطة احتلال لفلسطين، بالاضافه للأقليم. الاميركيون اصبحوا في مواجهة شعبنا وهي ان لم تكن قوة مواجهه فانها الظهير الامين لقوة الاحتلال. وقد يتساءل المجتمعون ويقولوا وماذا عسانا أن نفعل؟ والجواب بسيط ومتوفر لدى حكومة طالبان المعزوله دولياً والفقيره مادياً ولوجستياً. واذا وجدتم ذلك محرجاً، عليكم ان تسألوا اهلنا في يمن الحوثيين، الذين سطروا ايات في الصمود والعناد. وان لم تعجبكم هذه الامثله، فاستقيلوا وافسحوا في المجال لقيادات شابه جديده.

وقبل اسبوع من اجتماعكم العتيد اصدرت الغرفه التمهيديه لمحكمة الجنايات الدوليه قرارها بأن فلسطين دوله، وان على المحكمه ان تحقق في الجرائم التي ارتكبت في اراضي دولة فلسطين وهي الضفه الغربيه بما فيها القدس الشرقيه وقطاع غزه. لم يدرج هذا القرار في اجندة اجتماعات القاهره للنظر في كيفية حمايته والاستفاده منه.

ولو تواضعنا قليلاً، وبحثنا في مسائل أقلّ تعقيداً من قيادة المنطقه الوسطى وقرار المحكمه الدوليه ، لسارعنا الى التساؤل لماذا انتخابات مجلس تشريعي ورئاسي، وفي الختام يتم ترتيب المجلس الوطني (ولم يذكر القرار الرئاسي “انتخاب” المجلس الوطني). وقبل الاجابه، لابدّ من استعادة تصريحات للاخ محمود عباس، وأيده في ذلك المرحوم الدكتور صائب عريقات، من ان السيد الرئيس لا يستطيع مغادرة منزله في رام الله لكي يصل الى مكتبه في المقاطعه الاّ بإذن من سلطة الاحتلال، وقد كرر ذلك المرحوم الدكتور عريقات. فهل يستساغ قبول فكرة ان الرئيس اصدر مراسيم رئاسيه لاجراء انتخابات في الاراضي المحتله دون التنسيق مع سلطة الاحتلال وأخذ موافقاته على ترتيب التصويت والاعلانات والمهرجانات والدعايه ووصول المراقبين الدوليين للتأكد من الحيده والنزاهه؟ هل يُعقل ان تجري انتخابات في كل الاراضي المحتله للشعب الواقع تحت الاحتلال دون استئذان صاحب السلطه الفعليه؟ وهل تمّ التنسيق مع الاحتلال فيما يخص اهالي القدس؟

واذا وافقت اسرائيل على اجراء الانتخابات، بما في ذلك مشاركة عناصر من حماس والجهاد الاسلامي، فهل يعني هذا ان حماس استوعبت درس العام 2006، وبالتالي اصبحت الان اكثر “واقعيه”؟! وماذا يترتب على هذه الواقعيه؟

والمأمول ان لا تبدأ حماس في عزف اناشيد الوطنيه والوحده لشعبنا وان الانقسام أضرّ بالقضيه الفلسطينيه ويجب لمّ الشمل وترتيب البيت الداخلي، ذلك ان السؤال الذي يعلق في حلوق المدافعين عن هذا المسار هو هل الذي اضرّ بالقضيه الوطنيه هو الانقسام ام سلوك طريق اوسلو؟  يجب ان نستعيد قائمة الشهداء الذين قتلتهم قوات الامن الفلسطيني في مسجد غزه وبلغ عددهم حوالي (17) شهيداً دفعة واحده وكان ذلك في العام 1994، اي قبل الانتخابات وقبل الانقسام، بل مباشرة بعد توقيع اتفاقية اوسلو الاولى واعلان المبادئ، وكانت تلك مظاهرة احتجاج على مسار اوسلو، ولم تدخل كلمة “انقسام” القاموس السياسي الفلسطيني بعد. واستمر القتل والتنكيل بكل العناصر التي عارضت اوسلو، وهذا مناط الخلل الذي يسكن الشارع الفلسطيني اكثر مما هو الانقسام. لا جدال في ان الانقسام ضار، الاّ انه ضرر مشتق من الضرر الأصلي والأكبر وهو مسار اوسلو ونتائجه.

ان الانتخابات – كما يقال عادة- هي اداة لتداول السلطه بحيث قد تؤدي النتائج الى ازاحة السلطه القائمه والاتيان بالسلطه التي حازت على اعلى الاصوات. او قد يحدث توافق بين جماعتين او اكثر لتشكيل حكومه ائتلافيه. ولو فرضنا ان حماس هي التي فازت، او انها شكلت حكومه ائتلافيه مع فتح بسبب ان الفريقين حازا على نسبه متقاربه من الاصوات. فاذا كانت حماس مصنّفه على انها حركه ارهابيه فكيف سيتم التعامل مع هذه الحكومه الجديده. ولنا في تجربة الحكومه اللبنانيه التي ضمت وزراء من حزب الله خير سابقه. لابد وان هذا السيناريو قد طرح على حماس وفتح في سلسلة مفاوضاتهما، فان كان هذا صحيحاً، فان على حماس اما ان تنسحب من الحكومه او ان تعلن انضمامها الى اوسلو، وفي هذه الحاله  سوف لا تكون على وضوء.

وقد يقال ان القصد من الانتخابات هو في الواقع الانتخابات الرئاسيه لأن الاخ الرئيس يريد تجديد شرعيته بعد ان مضى عليها اكثر من خمسة عشر عاماً، مما يعني ان الشرعيه قد اصبحت – على رأي المرحوم ابو عمار- “كادوك.” في الواقع، هذا سبب وجيه كما انه صحيح القول ان الرئيس ابو مازن يريد ان يجدد شرعيته لكي يستطيع لقاء وجه الرئيس بايدن وهو يمسك شرعية متجدده. ونذكر ان الاخ الرئيس كان مبتهجاً لنجاح بايدن وانصراف ترامب، وقد ارسل رسالة تهنئه بمجرد ان اقسم بايدن اليمين.

ولا اريد ان اكون متشائماً، الاّ ان على مستشاري الاخ الرئيس ابو مازن ان يقدموا له دراسه موثقه، وهي سهله وفي متناول الباحث العادي، تقول ان المؤسسه الاميركيه لا تلدّ الاّ عنصرياً امبريالياً منحازاً ضد العرب باعتبارهم من العالم الثالث. وما يؤيد هذا الرأي انه منذ الرئيس ترومان، الذي اعترف باسرائيل كدوله، مروراً بعشر رؤساء اميركيين بعده، لم يصدف وان اتخذ رئيس واحد خطوه او اجراء لم يكن منحازاً فيه لاسرائيل ضد طموحات وحقوق شعبنا. فهل صدفه انه خلال سبعة عقود لم يصدف وان جاء رئيس اميركي يصحح هذا المسار؟ ولابدّ ان الاخ ابو مازن سمع بايدن يعلن انه تعلّم من والده ان تكون صهيونياً ليس بالضروره ان تكون يهودياً.

اننا يا سيدي الرئيس نتمنى لك النجاح في الانتخابات القادمه، ان كانت تنافسيه، او بالتزكيه، لأننا لا نريدك فقط الرئيس الاوحد، بل نريدك كذلك الرئيس الأوعى!!

[*] محام مقيم في عمان

Share
Tweet
WhatsApp
Telegram
Vibe
Share
Email
Print