يقرأ هذا المقال العقوبات الأمريكية والكندية على شبكة صامدون للدفاع عن الأسرى الفلسطينيين باعتبارها جزءًا من حرب سياسية وإعلامية أوسع تستهدف تجريم التضامن الثوري مع فلسطين، ومحاصرة الخطاب الداعم لحق الشعب الفلسطيني في المقاومة والتحرير والعودة.

خالد بركات

لم تكن العقوبات الأمريكية والكندية على “شبكة صامدون للدفاع عن الأسرى الفلسطينيين” مجرد خطوة قانونية أو مالية معزولة، بل جاءت ضمن سياق سياسي وأمني أوسع يهدف إلى إعادة رسم حدود العمل السياسي المسموح به في الغرب، خصوصًا فيما يتعلق بفلسطين والمقاومة الفلسطينية. فالقضية هنا لا تتعلق فقط بشبكة تضامن مع الأسرى، بل بالصراع على الرواية، وعلى شرعية المقاومة، وعلى مستقبل الحراك الشعبي العالمي مع الشعب الفلسطيني. باختصار إنها محاولة صهيونية لضرب الحاضنة الأممية للمقاومة في فلسطين والمنطقة.

منذ سنوات، تحاول الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الغربيون تطوير منظومة متكاملة لتجريم الخطاب الداعم لفلسطين، عبر توسيع مفهوم “الإرهاب” ليشمل ليس فقط التنظيمات المسلّحة، بل أيضًا المؤسسات الإعلامية، وحركات المقاطعة، والشبكات التضامنية، والنشطاء السياسيين. وفي هذا السياق، جاءت العقوبات على “شبكة صامدون” باعتبارها جزءًا من حرب سياسية وإعلامية تستهدف البيئة الشعبية التي تدافع عن حق الشعب الفلسطيني في المقاومة المسلحة وتدعو لنصرة مشروعه التاريخي: التحرير والعودة.

ما جعل “شبكة صامدون” هدفًا مباشرًا لهذه الحملة المسعورة هو طبيعة خطابها السياسي والتنظيمي. فالشبكة لم تكتفِ بتقديم قضية الأسرى الفلسطينيين بوصفها ملفًا حقوقيًا أو إنسانيًا، بل ربطتها بالسياق الاستعماري الأشمل للقضية الفلسطينية، واعتبرت الأسرى جزءًا من حركة تحرر وطني تواجه مشروعًا استيطانيًا إحلاليًا مدعومًا من القوى الغربية الكبرى. كما عملت على بناء تحالفات واسعة مع الحركات الطلابية، وحركات السود والسكان الأصليين، والنقابات العمالية، والقوى المناهضة للاستعمار والإمبريالية في أمريكا الشمالية، وأوروبا، وأمريكا الجنوبية، وغيرها.

وفي الوقت نفسه، حافظت “صامدون ” على تقديم نفسها كشبكة مستقلة في قرارها، غير تابعة تنظيميًا لأي فصيل فلسطيني، رغم تبنيها موقفًا سياسيًا مبدئيًا وواضحًا حول المقاومة. فالشبكة لا تعتبر مقاومة الاحتلال والاستعمار حق أصيل ومشروع وحسب، بل تدعو لدعم المقاومة بكل الوسائل، كجزء من مهمات حركات التحرر. هذا الموقف العلني من شرعية المقاومة الفلسطينية، ورفض الفصل بين قضية الأسرى وبين النضال التحرري الفلسطيني، كان أحد الأسباب الأساسية التي دفعت الحكومات الغربية والمؤسسات الصهيونية إلى التعامل مع “صامدون” باعتبارها خطرًا سياسيًا يتجاوز الإطار الحقوقي التقليدي. فبالنسبة لهذه الجهات، لم تكن المشكلة في النشاط التضامني بحد ذاته، بل في وجود خطاب سياسي جذري يعيد طرح القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني ضد الاستعمار الاستيطاني في فلسطين.

العقوبات على صامدون لا تستهدف شبكة بعينها فقط، بل تحاول إخضاع المجال السياسي والإعلامي العالمي لمنطق الهيمنة الغربية والصهيونية.

كما أن الحملات التي نظمتها “شبكة صامدون” تميزت منذ تأسيسها بالدفاع عن جميع الأسرى الفلسطينيين والعرب في السجون الإسرائيلية دون تمييز فصائلي أو أيديولوجي، حيث تبنت الشبكة حملات دعم لأسرى من مختلف التيارات والقوى الفلسطينية واللبنانية، بما في ذلك أسرى محسوبون على حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وغيرها، إضافة إلى أسرى لبنانيين مرتبطين بـ حزب الله. هذا النهج الشامل في التضامن مع الأسرى استُخدم من قبل خصوم الشبكة لتوجيه اتهامات متناقضة لها في الوقت نفسه، إذ جرى تصويرها أحيانًا كواجهة لحماس، وفي مناسبات أخرى كامتداد للجهاد الإسلامي أو الجبهة الشعبية أو حتى حزب الله. غير أن هذا التناقض في الاتهامات يعكس، بالنسبة لأنصار الشبكة، طبيعة عمل “صامدون ” القائم على دعم قضية الأسرى باعتبارها قضية وطنية وتحررية جامعة، يلتف حولها الشعب الفلسطيني وتتجاوز الانقسامات الفصائلية والحزبية.

إن الربط بين فلسطين وحركة مناهضة الاستعمار والعنصرية أثار قلقًا متزايدًا لدى المؤسسات الصهيونية والغربية، خصوصًا بعد التحولات الكبيرة التي شهدها الرأي العام العالمي مع بدء حرب التدمير والإبادة على غزة. فقد خرجت مظاهرات ضخمة في العواصم الغربية، واحتلت الجامعات الأمريكية والأوروبية مشهد التضامن العالمي مع فلسطين، فيما بدأت قطاعات واسعة من الشباب الغربي تعيد النظر في الرواية التقليدية التي قدّمت “إسرائيل” لسنوات بوصفها “ديمقراطية محاصرة” لا قوة استعمارية تمارس الاحتلال والقتل الجماعي.

وقد ازداد تذمر الحركة الصهيونية والمنظمات المرتبطة بها بصورة ملحوظة بعد قرار ألمانيا حظر “صامدون” في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، ثم بعد إدراج الشبكة على لوائح “المنظمات الإرهابية” في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2024. فبحسب الخطاب المتداول داخل المؤسسات الصهيونية، لم يؤدِّ الحظر إلى إنهاء نشاط الشبكة أو تفكيك حضورها السياسي، بل على العكس، تعتبر هذه الجهات أن “صامدون” أصبحت أكثر حضوراً واستطاعت “تفريخ” أو إلهام العديد من المجموعات والحملات الجديدة، وأعادت الشبكة هيكلة نفسها بسرعة كبيرة عبر أطر وتحالفات مختلفة، مستفيدة من اتساع موجة التضامن الشعبي مع فلسطين بعد الحرب على غزة. ولهذا، باتت بعض الدوائر الصهيونية تنظر إلى “صامدون” ليس فقط كتنظيم بعينه، بل كنموذج سياسي وتنظيمي خطير أعادة إنتاج نفسه تحت ظروف الملاحقة والتجريم.

في هذا المناخ، لم تعد الحكومات الغربية تنظر إلى الحركات التضامنية باعتبارها نشاطًا احتجاجيًا هامشيًا، بل باتت تراها تحديًا سياسيًا داخليًا قد يؤثر على استقرار خطابها التقليدي حول “الصراع في الشرق الأوسط”، وعلى قدرتها في توفير الغطاء السياسي والدبلوماسي للكيان الصهيوني. ومن هنا يمكن فهم العقوبات على “صامدون” بوصفها رسالة ردع موجهة إلى مجمل حركات التضامن: أي إن تجاوز الخطوط الحمراء الموضوعة أمريكيًا وصهيونيًا وأوروبياً فيما يتعلق بالمقاومة الفلسطينية قد يؤدي إلى العزل المالي والملاحقة السياسية والتشهير الإعلامي.

وقد لعبت المؤسسات الصهيونية دورًا مركزيًا في الدفع نحو هذه العقوبات، من خلال حملات ضغط وتحريض استمرت سنوات، شاركت فيها منظمات نافذة في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا، وعملت على ربط كل أشكال الدعم السياسي للمقاومة الفلسطينية بمفاهيم “التطرف” والإرهاب”. ولم تقتصر هذه الحملة على الحكومات، بل امتدت إلى الجامعات ووسائل الإعلام وشركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي ومجاميع كثيرة من دعاة التطبيع والعملاء، في محاولة لمحاصرة الصوت الفلسطيني وتجفيف حضوره في المجال العام.

لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن سياسات التجريم والحظر والتشويه لا تنجح دائمًا في إنهاء الحركات السياسية، بل قد تدفعها إلى الانتشار واكتساب شرعية أوسع. فقد سبق أن وُصفت حركات تحرر عديدة بالإرهاب قبل أن تتحول لاحقًا إلى قوى معترف بها دوليًا، كما حدث مع المؤتمر الوطني الإفريقي في جنوب أفريقيا، ومع قوى تحرر عديدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

اليوم، تبدو المعركة حول فلسطين أبعد من حدود الجغرافيا الفلسطينية نفسها. إنها معركة على الوعي العالمي، وعلى تعريف مفاهيم العدالة والحرية وحق الشعوب في مقاومة الاحتلال. لذلك، فإن العقوبات على “صامدون” لا تعبّر فقط عن استهداف شبكة بعينها، بل عن محاولة أوسع لإعادة إخضاع المجال السياسي والإعلامي العالمي لمنطق الهيمنة الغربية والصهيونية، ومنع تشكل حركة تضامن ثورية متجذرة وقادرة على تحويل فلسطين إلى قضية مركزية في النضال العالمي ضد الاستعمار والعنصرية والإمبريالية.

ورغم ما قد تسببه هذه العقوبات من صعوبات تنظيمية ومالية وقانونية، فإنها تكشف في الوقت نفسه عن ضعف الكيان الصهيوني واضطراره للاستقواء بحلفائه، كما تعكس حجم القلق الذي باتت تثيره الحركة الشعبية المتضامنة مع فلسطين داخل المجتمعات الغربية نفسها. فحين تتحول الجامعات والنقابات والشوارع ووسائل الإعلام البديلة إلى ساحات مواجهة سياسية حول فلسطين، يصبح واضحًا أن الصراع لم يعد يدور فقط في فلسطين المحتلة، بل أيضًا في قلب العواصم الغربية التي تحاول جاهدة حماية المشروع الصهيوني وانقاذه من العزلة السياسية والاقتصادية والأخلاقية المتصاعدة.

Share this
Send this to a friend