بينما تتقدم المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، يقدّم كثيرون أي اتفاق محتمل باعتباره خطوة نحو الاستقرار في المنطقة. غير أن التجربة التاريخية تؤكد أن أي بنية سياسية أو أمنية لن تتمكن من الصمود ما دام المشروع الاستعماري الصهيوني قائمًا في فلسطين. فالقضية الحقيقية ليست كيفية الحفاظ على الاتفاقات، بل كيفية مواجهة المصدر الرئيسي للحروب والعدوان وعدم الاستقرار في المنطقة.

بقلم: خالدية أبو بكرة

كلما اقتربت الولايات المتحدة وإيران من جولة مفاوضات أو من اتفاق محتمل، عادت الآمال ذاتها إلى الواجهة: إمكانية خفض التوترات وفتح مرحلة جديدة من الاستقرار في منطقتنا. وتُقدِّم وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث والعواصم الغربية هذه المسارات باعتبارها فرصًا لاحتواء الصراعات ومنع اندلاع حروب جديدة. غير أن التجربة التاريخية تفرض سؤالًا أكثر إلحاحًا وأعمق دلالة: كيف يمكن لأي اتفاق أن يصمد ما دام هناك كيان استعماري استيطاني تقوم طبيعته ذاتها على الحرب الدائمة والتوسع والعدوان على شعوب المنطقة؟

على مدى عقود، جرى تصوير إيران أو حركات المقاومة، بل وحتى الشعوب التي ترفض الخضوع للهيمنة الغربية، باعتبارها المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار. لكن مجرد النظر إلى الواقع يكشف حقيقة مختلفة تمامًا. فالحروب والعدوان العسكري المتكرر وعمليات التهجير الجماعي والاعتداءات المتواصلة تشترك جميعها في عامل أكثر وضوحًا من أي عامل آخر.

إن وجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين لم يجلب الاستقرار ولا الأمن ولا التعايش. فمنذ تأسيسه على أنقاض النكبة وتهجير الشعب الفلسطيني، شكّل المشروع الصهيوني مصدرًا دائمًا للصراع في المنطقة بأسرها. فما زالت فلسطين ترزح تحت الاحتلال، وتتعرّض غزة لإبادة جماعية تُبث على الهواء مباشرة أمام أنظار العالم، فيما تشهد الضفة الغربية تصعيدًا مستمرًا للاستيطان ومصادرة الأراضي واعتداءات المستوطنين المسلحين والاقتحامات العسكرية والاعتقالات والاغتيالات. أما القدس، فتتعرض لسياسات متواصلة من التهويد والاقتلاع واستهداف الوجود الفلسطيني فيها. وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، ما زال الفلسطينيون يواجهون منظومة مؤسسية من التمييز العنصري والقوانين التي تهدف إلى تكريس التفوق الاستعماري الصهيوني.

من غزة إلى حيفا، ومن جنين إلى النقب، لسنا أمام صراعات منفصلة أو قضايا متفرقة، بل أمام مشروع واحد من الاستعمار الاستيطاني والإحلالي يستهدف الشعب الفلسطيني بأكمله ويسعى إلى تفتيته جغرافيًا وسياسيًا واجتماعيًا، مع الإبقاء على منظومة الهيمنة والسيطرة فوق كامل أرض فلسطين.

كما أن ما يجري في فلسطين لا يمكن فصله عما يحدث في المنطقة بأسرها. فلبنان يعيش تحت التهديد والعدوان المستمرين، وسوريا تعرضت على مدى سنوات طويلة لاعتداءات متكررة، واليمن يُستهدف بسبب موقفه الداعم لفلسطين، فيما تحوّلت إيران إلى هدف دائم للتهديدات والعقوبات ومحاولات زعزعة الاستقرار.

هذه ليست أزمات منفصلة أو صراعات متفرقة. إنها تعبيرات مختلفة عن حقيقة واحدة: حاجة المشروع الصهيوني إلى الحفاظ بالقوة على موقع من التفوق العسكري والسياسي في المنطقة، بدعم مباشر من الإمبريالية الأمريكية وحلفائها الغربيين.

لهذا يبدو من السذاجة الاعتقاد بأن اتفاقًا بين واشنطن وطهران، مهما بلغت أهميته، قادر بمفرده على معالجة الأسباب العميقة لعدم الاستقرار. فالمشكلة ليست فقط في أن الكيان الصهيوني ينتهك الاتفاقات. المشكلة أن الصهيونية لم تنظر يومًا إلى الاتفاقات باعتبارها إطارًا لتحقيق سلام عادل، بل تعاملت معها كأدوات مؤقتة تخدم أهدافها الاستراتيجية الخاصة.

“المشكلة ليست فقط في أن الكيان الصهيوني ينتهك الاتفاقات. المشكلة أن الصهيونية لم تنظر يومًا إلى الاتفاقات باعتبارها طريقًا إلى العدالة، بل كأدوات مؤقتة في خدمة التوسع الاستعماري.”

وتاريخ فلسطين مليء بالأمثلة على ذلك. فقد قُدمت الاتفاقات والمفاوضات والمؤتمرات الدولية و«عمليات السلام» مرارًا وتكرارًا باعتبارها خطوات نحو حل نهائي. وفي الوقت نفسه، استمرت المستعمرات الاستيطانية في التوسع، ترسيخ الاحتلال، وعُزلت القدس عن محيطها الفلسطيني، وحُرم ملايين اللاجئين من حقهم في العودة، فيما ظل الشعب الفلسطيني يدفع ثمن «سلام» لم يتحقق يومًا.

وما يجري اليوم ليس مختلفًا. ففي الوقت الذي يُكثر فيه العالم من الحديث عن الدبلوماسية والتفاهمات الإقليمية، تواصل غزة التعرّض للتجويع والقصف والتدمير المنهجي لمقومات الحياة الأساسية، فيما تتواصل سياسات التهجير والاستيطان والتمييز العنصري في سائر أنحاء فلسطين.

وعليه، فإن السؤال ليس فقط كيف يمكن منع فشل أي اتفاق مستقبلي. السؤال الحقيقي هو: كيف يمكن بناء سلام دائم على أساس مشروع استعماري يحتاج إلى الحرب كي يبرر وجوده؟

لسنوات طويلة قيل لنا إن الحل يكمن في إدارة الصراع. لكن شعوب منطقتنا تعلمت، عبر أجيال من النضال والتضحيات، أن الاستعمار لا يُدار، بل يُهزم.

وكما لم يتم تجاوز نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا من خلال التعايش معه أو إدارة تناقضاته، بل من خلال النضال من أجل تفكيكه، فإن الدرس نفسه ينطبق على فلسطين. فالصهيونية ليست مجرد أيديولوجيا سياسية، بل هي مشروع استعماري استيطاني أُقيم على اقتلاع الشعب الفلسطيني والاستيلاء على أرضه وإنكار حقوقه الوطنية والتاريخية.

لذلك فإن استقرار المنطقة لا يتحقق عبر دمج المشروع الصهيوني في ترتيبات أمنية جديدة أو عبر منحه المزيد من الضمانات السياسية والعسكرية. بل يتحقق من خلال إنهاء حالة الإفلات من العقاب التي تسمح له بالتصرف فوق القانون الدولي. ويتحقق عبر عزله سياسيًا واقتصاديًا وأكاديميًا وثقافيًا ورياضيًا، وعبر دعم مقاومة الشعوب للاستعمار، وتعزيز النضالات التي تواجه في آن واحد الصهيونية والإمبريالية.

إن تحرير فلسطين ليس قضية فلسطينية فحسب. إنه شرط أساسي لتحقيق العدالة والاستقرار في المنطقة بأسرها. وكما يشكل الكيان الصهيوني قاعدة متقدمة للاستعمار والهيمنة الإمبريالية في أرضنا، فإن تحرير فلسطين يشكل أيضًا مساهمة حاسمة في تحرر الشعوب العربية وكل الشعوب التي تناضل ضد الاستغلال والاحتلال والتبعية.

إن الذين يتساءلون اليوم عن كيفية الحفاظ على أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران ينبغي أن يطرحوا سؤالًا مختلفًا. فالقضية ليست ماذا نفعل مع إيران، وليست ماذا نفعل مع المقاومة الفلسطينية. القضية الجوهرية هي: كيف يمكن لأي اتفاق أن يصمد بينما يستمر وجود مشروع استعماري يعتبر الحرب والاحتلال والعدوان أدوات مشروعة لضمان بقائه؟

وإلى أن يجد العالم إجابة حقيقية عن هذا السؤال، لن يكون أي اتفاق نهائيًا أو مستدامًا.

فجذر عدم الاستقرار ليس مقاومة الشعوب.

جذر عدم الاستقرار هو استمرار الاستعمار والصهيونية والهيمنة الإمبريالية.

وستبقى فلسطين، من النهر إلى البحر، الساحة الأوضح التي تتجلى فيها هذه الحقيقة بكل قسوتها، لكنها أيضًا الساحة التي تتجسد فيها آمال التحرر لشعوب منطقتنا ولجميع الشعوب التواقة إلى الحرية والعدالة.

Share this
Send this to a friend